الاثنين، 27 فبراير 2012

قصة قصيرة


فوق التلة
ياسر صديق
كانت مدينة مرسى مطروح هي الأمل الوحيد الباقي لترميم ما تبقى من حياتهما الزوجية...عائلتيهما إستنفذتا كل الحلول والسبل لرأب صدع الأزمات التي عصفت بزواجهما الذي...كان...سعيدا...وأخيرا إهتدى عمها إلى تلك الفكرة...أن تذهب العائلة جميعا إلى تلك المدينة الساحلية الهادئة لعل نسمات البحر وروعة المنظر ترطب من أعصابهما الملتهبة...وهناك...فوق رمال الشاطيء سارا الإثنين متجاورين وأقدامهما تتركان أثارا ثقيلة على الرمال...صامتين...عابسين...الأفكار والهواجس تعصف برأسيهما....يعمل مختار مهندس صوتيات ناجح ومتميز في إحدى القنوات الخاصة ... في الخامسة والثلاثين من عمره...شارك في ثورة 25 يناير وهتف وصرخ وندد وأقام في الخيام طوال الثمانية عشر يوما حتى التنحي وكان من القلائل الذين خرجوا من موقعة الجمل سليما معافى في بدنه...ذكي وفطن وألمعي...له أرائه الثورية التي يعجب بها البعض ويرفضها البعض...وسطي في تدينه وجانح في علاقته بربه بشكل يجعلك تندهش في كثير من الأحيان....قابلها وهو يخطو أولى خطواته العملية...كاميليا...تعمل رسامة "ديزاينر" في نفس القناة الفضائية التي يعمل بها...أعجب بأفكارها المتجردة من الخزعبلات الفكرية والهواجس الدينية الغير مبررة ... وملامحها وشعرها الأسود المنسدل على كتفيها في بساطة ومكياجها المريح وملابسها المحتشمة والأنيقة في ذات الوقت...وتزوجا...منذ ثمانية أعوام...وفي الثلاثة أعوام الأخيرة إحتدم الخلاف بينهما...لا تنكر صفية أنها هي التي بدأت بزرع تلك الهواجس والخلافات...فهي ترى أن هواجس اليوم هي حقائق الغد وخير لهما أن يواجها الهواجس يقطعا دابرها قبل أن تتحول إلى حقائق تكويها وتجلدها وتدمي كرامتها.........................
بعد أن قطعا مسافة بطول الشاطيء كانت هناك تلة مرتفعة بعض الشيء إقترح مختار أن يتسلقاها فوافقت بإيماءة من رأسها...تسلق ومد يدها ليساعدها فأعطته إياها في تأفف...إفترشا قمة التلة وجلسا متجاورين...في صمت...هي تنبش الأرض في عصبية وهو ينظر إلى البحر متأملا ومسترجعا سنوات عمرهما معا......ثم نظر إليها ليكمل حديثا كانا قد بدئاه:أحقا تريدين ذلك؟...تنهدت قائلة:هذا أفضل لك ولكرامتي أيضا....مختار في حدة:كرامتك مصانة ولا أجرؤ أنا أو غيري على مساسها...كاميليا بصوت منهك:ما يحدث من حولنا هو ما يجرح كرامتي ولست أنت أو غيرك......إلتفت إليها بجسده كله وقال في لوم:وما هذا الذي يحدث حولنا إجيبيني؟؟ تصمت كاميليا قليلا وتزفر في أسى وتقول:مختار إنك إنسان رائع ومن حقك أن تكون أب وانا لا أستطيع أن أحقق لك ذلك وخير لي ولك أن نفترق الأن قبل أن يأتي اليوم الذي تخبرني فيه أنك لم تعد تتحمل وتريد إبنا....ولو حدث ذلك فلن يتحمل قلبي وسأنكسر و....قاطعها في عصبية:لكنني لا أريد غيرك ...أنتي حبيبتي التي أحببتها منذ ثماني سنوات وتمنيتها زوجة لي ...أنتي محور كوني فلا تجعلي من ليس موجودا معنا سببا في فراق بغيض لا يتحمله قلبي....كامليا في صوت باكي:أتعلم شعور المرأة عندما تعلم أن الله قد إبتلاها أن تكون عاقر لا آثر للحياة داخلها؟؟ عندئذ يلازمها شعور انها نصف إمرأة...نصف أنثى...نصف زوجة...تعيش مشطورة إلى نصفين..نصف حيث هي ونصف إحتفظ الله به لسبب وحكمة لا يعلمها إلا هو سبحانه....تصمت قليلا وتنساب دموعها على خديها وتردف:تلك إرادة الله لكنني لا أحتمل أن تدفع أنت ثمن ذلك...يجلس مختار في مواجهتها مباشرة ويمسك كتفيها بيديه ويهزها في قوة ويقول:وماذا لو كان الله قد رزقنا بطفل مشوه؟ وماذا لو كان قد رزقنا بطفل عاق ؟ وماذا لو كان رزقنا بأطفال وسلب منا نحن الصحة أو مات أحدنا وتركهم للأخر يتعذب بهم وحده؟ ...نظرت إليه في حب وربتت على خده بيديها في حنان ثم لم تلبث أن نفضت عنها ذلك الضعف وهبت واقفة وأدارت ظهرها له وهي تقول:إنك تقول ذلك للتخفيف عني ولانك لا تملك البديل....ماذا لو قلت لك الأن أنني حامل؟ أجابها وعينيه تقطران حنانا عليها: كنت سأطير فرحا بك...قالت:أرأيت؟ هو بصوت يائس: وكيف لا أفرح بأن الله سيمن علي برزقه من الفتاة الوحيدة التي أحببت؟ هي في صوت مخنوق:إنك تتمناه في أعماقك وترفض الإعتراف بذلك...وضع يده على كتفيها في حب وهمس في أذنيها قائلا:أتمناه نعم...ولكن من غيرك..لا....كاميليا لا تشمتي بنا أحد لقد كنا لسنوات مثلا للسعادة والرضى فما الذي حدث؟ هي في عناد:الذي حدث أنني أكتشفت أخيرا أنني لن أنجب أبدا ويجب عليك أن تتركني وتواصل حياتك مع من ترغب لتأتي لك بأطفال ينادونك بـ"بابا"...قالتها وأنهارت على سطح التلة تبكي في حرقة...جلس بجوارها واحتضنها وهو يقول:ألم تسمعي قول الله عز وجل " لَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ* أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ" ...حبيبتي...تلك إرادة الله وأنا أريدك أنتي لا سواك...تنهره في آسى وتلفظه في عصبية وتشنج وتصرخ:لن أحتمل أن تعيش معي وقلبك نصفه معلق بأمنية لم تتحقق بسببي أنا ...إنني نصف إمرأة وانت تريد النصف الأخر...النصف الذي لا أملكه....قبل رأسها مهدئا وربت على ظهرها مخففا وهو يصرخ:أقسم بربي أن ما تقولينه مجرد هواجس داخلك أنتي فقط...لو خسرتك فسأكون خسرت كل شيء.....نظرة إليه بعين لامعة حزينة باكية وقالت: ولو عيشت معي ستكتب على نفسك حرمانا لا معنى له وسأكتب على نفسي ذلا لا أتحمله....قالتها وإتجهت لتنزل من على سطح التلة لتنهي الحديث...فأمسك يديها في رفق...نظرت إلى عينيه كأنها تودعه ونظر إليها بحب وهمس بصوت ينزف:أحبك...لا تتركيني...أحبك ولن أتوقف عن قولها أبدا..................
إستكانت يدها في يده...واستقرت عيناها على شفتيه الهامسة وقالت في لوم يشوبه الدلال:أواثق أنت من قرارك هذا؟ إحتضنها في حب وهو يردد في شوق:إشتقت إليك ....شهور وأنتي تجلدي نفسك وتجلديني بأوهام في رأسك وحدك...منعتي نفسك عني ومنعتيني أن أقربك من أجل ماذا؟؟ كاميليا إنتي المرأة التي تمنيت أن أتزوجها...لا تتركيني...هيا نعيش سويا ونكمل باقي حياتنا معا...وإذا إشتاقت نفسك إلى طفل يوما فنستطيع أن نكفل طفلا نعطيه من حناننا ويعطينا من براءته ما يخفف عنا وعنه...إندفعت إلى صدره تبكي ...وتنتحب...وتهمس:إياك أن تتركني....ستقتلني لو فعلت....أجابها ضاحكا في حب:بل سأقتل نفسي لو أبتعدتي عني يوما...ترجل من على سطح التلة ومد يده إليها قفزت بين ذراعيه في حب وأحتضنها ضاحكا وهو يقول:أنتي طفلتي الجميلة وستظلين طوال عمرك....لكزته في كتفه في دلع ضاحك وهي تقول:سأسجل كلماتك تلك لأذكرك بها لو نكثت بوعدك يوما...تتعالي ضحكته وهي يقول:والله على ما أقول شهيد....سارا سوا عائدين بغير الوجه الذي ذهبا به...تسبقهما الضحكة وتصاحبهما البسمة وأيديهما متشابكة وخطواتهما متسارعة متلاحقة كأنهما على موعد مع عزيز.....وعلى بعد مسافة ليست ببعيدة وقف عمها يرقبهما في صمت وهي يمني نفسه بأن تكون الأمور قد تحسنت بينهما....إقتربا منه...سألهما في حذر: لعل الله قد جعل في تلك التلة سرا لا يعلمه إلا هو ؟.... كاميليا بصوت ضاحك:نعم يا عماه لقد أصبحت تلة حبنا....ويردف مختار باسما:كادت أن تلقيني من فوقها إلى أن ذكرتها بأيامنا الخوالي....إحتضنهما العم في سعادة وربت على كتفيهما قائلا:إن الحب وحده الذي يبقى دون سواه...أياكما عن تتخليا عن ذلك الرابط.....مالت كاميليا برأسها على رأس مختار وهي تقول في حب: نعم يا عمي لقد أيقنت ذلك أخيرا ...مختار هو كل حياتي الماضية والأتية...ليكمل مختار في وله:يا عماه يعلم الله أني لا أبيع كاميليا بكنوز الأرض.....
بعد مرور أربعة سنوات ترقى مختار ليشغل منصب كبير مهندسي الصوت في القناة وتلقت كاميليا دورة تدريبة في ميونيخ عادت بعدها لتشغل منصب رفيع داخل قسم الديزاينر...وفي عيد زواجهما الثاني عشر جلسا على منضدة أنيقة داخل كافيه تعودا أن يجلسا فيه منذ أن تعارفا...وعلى ضوء الشموع تحدث مختار...وتكلم...تكلم كثيرا ...وكاميليا تستمع في حب وضوء الشموع يعكس بريق عينيها ...سألته:أتحبني حقا لهذه الدرجة التي أشعر بها...أجابها وهي يمسك يديها في حنان:عن أي درجة تتحدثين!!! إن ما في قلبي يفوق ما تشعرين به ألاف المرات....نظرت إليه في حب وقالت:أغمض عينيك....أجابها ضاحكا:هدية عيد الزواج تكون غالبا من الرجل وليس العكس...همست في عتب ضاحك:لا تكن سخيفا أغمض عينيك...وأغمض....همست:إفتح....فتح فوجد أمام عينيه ورقة لم يتبين ما كتب فيها...سألها:ما هذا....قامت وقبلت خده في حب وهمست:هذا تقرير طبي يقول أنني حامل في الشهر الثاني...
جلس مختار صامتا...ثم بكى...ثم ضحك..ثم هلل فرحا...ثم قام وأحتضنها وظل يقبلها ....سألته:كل هذه الفرحة من أجل الجنين يا حبيبي...أجابها وهو يضع يديه على خديها في حنان: بل كل هذه الفرحة لأن الله قد رزقني بطفل من المرأة الوحيدة التي أحببت....وخرجا من الكافيه وقد تأبطت ذراعه وهي تهمس: ما رأيك في أجازة قصيرة؟؟؟ أجابها ضاحكا:شرط أن تكون في مرسى مطروح.......علت ضحكتها وهي تقول:نعم ....فوق تلك التلة...تلة حبنا.

الثلاثاء، 21 فبراير 2012

لمياء توفيق


تتطلع مستقبلا لدخول مجال التمثيل وتقديم عملا للطفل
لمياء توفيق لـ "الدار": مسرح "LIVE " فخر للكويت والستاند أب كوميدي فن صعب
·       أحمل ماجستير من الجامعة الأمريكية ودكتوراه عن الطفل من جامعة عين شمس
·       أمي تضحكني وتبهجني وعلاقتي بالستاند أب كوميدي كان سببه عرب امريكان
·       أجري حوارا مع الجمهور قبل بداية فقرتي حتى أكسر الحاجز النفسي بيني وبينهم
·       أعمل في مجال الإعلان والعلاقات العامة إلى جانب الستاند أب كوميدي
·       أتمنى أن أحقق نجاحا يؤهلني لأن أتفرغ تماما للفن
ياسر صديق
مصرية الجنسية قادمة من دبي ، تحمل نوعا شديد الخصوصية من الفن يشاركها رحلتها نجما هنديا قطع فيه شوطا أكبر وخطوة أوسع وهو نتن مراني...إنها لمياء توفيق...التي إختارت فن الستاند أب كوميدي ليكون جواز سفرها لدى الجمهور الخليجي والعربي...تعلقت بهذا النوع من الفن في مصر وقدمته بشكل أوسع في دبي حيث نشأت وتربت وكبرت ثم جاءت إلى الكويت بدعوة من شركة بن فرناس ومسرح Live الذي تخصص في هذا النوع من الفن تحديدا وخصص له مسرحا على أعلى درجات الإحترافية...لمياء توفيق التي تقدم الستاند أب كوميدي على مدى خمسة أيام كان لابد لجريدة الدار أن تلتقيها لتسلط الضوء عليها وعلى ذلك الفن الوليد والجديد وكان هذا الحوار:

لمياء توفيق....بإيجاز من تكون؟
أنا مصرية ولدت في دبي وأعيش فيها حتى الأن خريجة إعلام من الجامعة الأمريكية وماجستير من القاهرة ودكتوراه من جامعة عين شمس من معهد الدراسات العليا للطفولة عن إعلام وثقافة الطفل ، وعملت في مجال الصحافة والعلاقات العامة وقمت بالتدريس في كليات إعلام خاصة بالقاهرة وحاليا أعمل في مجال الإعلان إلى جانب الستاند أب كوميدي.
لماذا وكيف إخترتي فن الستاند أب كوميدي؟
منذ صغري وانا محط ضحك العائلة وانا مواليد برج الأسد وفي الأبراج الصينية برج التنين ويقال أن هذا المزج بين هذين البرجين تنتج عنه شخصية لها حب الظهور إلى جانب أن أمي تتمتع بخفة ظل تدهشني وتضحكني في آن واحد فهي طيلة الوقت تغني وتضحك وتشع البهجة من حولها رغم أن طبيعة عملها صيدلانية وهو عمل جاد بعض الشيء، بدأت علاقتي بالأستاند أب كوميدي بوصول مجموعة من عرب أمريكيين يقدمون ذلك النوع من الفنون إلى القاهرة وقدموا عرضا وفتحوا المجال للجمهور للمشاركة فحمستني أختي وصديقتي للمشاركة وبالفعل شاركت ووجدت إستحسانا ممن حولي ثم عدت إلى دبي وبعد عامين في مهرجان التسوق كان هناك عرض أخر يقيمه أحد أفراد العرب أمريكان الذين قابلتهم في القاهرة ودفعني للمشاركة وتلك كانت بداية علاقتي وكان ذلك عام 2009.
ممارسة الستاند أب كوميدي لدى لمياء توفيق أخذ شكل الإحتراف؟
ليس بعد فأنا ما أزلت أبني رصيدا عند الجمهور الخليجي والعربي لذا فأنا أعمل حتى الأن في مجال الإعلان والعلاقات العامة إلا أنني أتطلع في المستقبل إلى البدء في مجال التمثيل والمشاركة في المسرحيات والمسلسلات ورغم كوني فتاة محجبة فإنني لا أراه عائقا وإن كان هذا سيحد من مساحة إختيار أدواري وهو شيء أيضا يؤجل خطوة الإحتراف .
أرى أن الستاند أب كوميدي لدى الكثير هو محطة للوصل للتمثيل...أليس هذا النوع من الفن كافيا بالنسبة للبعض؟
على العكس فهو مجال صعب فأنت تتلقى التجاوب فوريا وإما أن يرفعك الجمهور أو يتأفف منك أما الممثل فرصيده مع الجمهور تراكمي وهناك الكثير من فناني الستاند أب كوميدي إحترفوا هذا الفن دون غيره مثل روني خليل وكثيرون غيره.

فن الستاند أب كوميدي قائم على فن "الحكي" هل تتفقي حول هذا أم تختلفي؟
أتفق تماما فأنت تقص على الجمهور بطريقة جاذبة وإن لم تفعل سينصرف عنك ولا يتجاوب معك بل يجب أن تفتح حوارا مع الملتقي وتشاركه في حكاياتك التي ترويها وانا كثيرا ما أجري حوارا مع الجمهور قبل بداية فقرتي حتى أكسر الحاجز النفسي بيني وبينهم.
الخطوة التي تتمنى لمياء توفيق أن تقطعها قريبا؟
أتمنى أن أحقق نجاحا يؤهلني لأن أتفرغ تماما للفن وأن أعمل على المدى القريب في عمل للإطفال فأنا تخصصي في مجال الطفل ولكن عمل يرتقي بوجدان وتفكير الطفل وليس عملا يستخف بعقله.
دور العائلة في دخولك مجال الستاند أب كوميدي؟
الجميع شجعني ودعمني وأمي ووالدي شجعاني كثيرا وكذلك أخي وأختي وإن كانوا متخوفين في باديء الأمر من الوسط الفني وأمي كانت تخشى أن أهمل الدكتوراه جراء إنشغالي بالستاند أب كوميدي.
كلمة شكر توجهيها لمن؟
أود أن أشكر شركة بن فرناس المؤسسة لهذا المسرح والداعم الحقيقي لنا وشكر خاص لزميلي المشجع الأول لي نتن مراني فثقته في قدراتي أكبر من ثقتي في نفسي وأحب أن أعبر عن سعادتي لوجود مسرح ستاند أب كوميدي بشكل محترف في الكويت ينافس مسارح أوروبا وأمريكا.

السبت، 18 فبراير 2012

غانم السليطي


يرى أن المستقبل للبلد العربي الواحد
السليطي لـ"الدار": الفنانين أساءوا لجوهر الفن بالسفالة والسقوط والإستسهال
·       قدمت أربع أجزاء من "فايز التوش" تم إيقافها جميعا من قبل الرقابة
·       المسرح يناقد السلطان وكلنا أمل في التغيرات الطارئه على الوطن العربي
·       الماغوط قال في "لا أريد قردا أخر يقفز فوق كتفي"
·       الفن وسيلة  وجلست في البيت لأعوام لأني لا أجد النص المقنع
·       لا توجد ضحكة تخرج بدون ألم وبطبيعتي أتجه للبلاك كوميدي
ياسر صديق – سارة السلاموني
قطري الجنسية بحريني المولد كويتي النزعة مصري الهوى...كلها بلاد ساهمت في تشكيل وجدانه الفني والأدبي...هو فنان بدرجة أديب...ومتواضع بأخلاق الفارس...يضحك وصوته يحمل من الشجن الكثير...كثير التعظيم والتفخيم لأساتذته...له نظرة فلسفية تستحق التأمل والتوقف عندها ....الفنان غانم السليطي...الذي يعرض له حاليا مسرحية "عنبر و11 سبتمبر" جريدة الدار إلتقته وكان لها معه هذا الحوار:

نظرة سريعة على مسيرة غانم السلطان الفنية...ماذا تقول؟
البداية كانت البيت وكنت شغوفا بالتقليد وأصطياد الحركة والكلام للجيران ، ربتني جدتي وتوفي والدي وعمري عام ، وفي المدرسة إلتقطني مدرس لغة عربية لأقدم في ميكروفون الصباح مسرحيات وأول ما قدمت كانت مسرحية لأحمد شوقي وفي الثانوية ذهبت إلى دار المعلمين لأنها الجهة الوحيدة التي تملك أول فرقة مسرحية وهي فرقة دار المعلمين في قطر وقدمت أول مسرحية هناك ثم إنبثق عنها فرقة المسرح القطري والتي إعتمدتها وزارة الإعلام ، ووقتها رفضتني اللجنة المعتمدة بحجة أنني لا أجيد التمثيل لكنني لم أيأس وإلتحقت بفرقة نادي السد وأنشأنا فرقة مسرح السد والتي توجد حتى الأن تحت مسمى فرقة الدوحة وقدمت أول مسرحية وقتها  وهي "بيت الأشباح" من ثلاثة فصول وبعنصر نسائي في ملعب كرة قدم وكان ذلك كله جديدا على المجتمع القطري ووقتها حضر وزير الإعلام وشاهدني وطلب مني الإلتحاق بمعهد الفنون المسرحية في الكويت لكن اللجنة القادمة من الكويت رشحتني للمعهد بقسم النقد وليس التمثيل فغيرت إتجاهي من الكويت للقاهرة ووصلت يوم وفاة أم كلثوم وهناك قابلت عميد المعهد الفنان جلال الشرقاوي وكان متعاطفا معي إلى حد كبير ونجحت ضمن 18 طالبا من 750 تقدموا للإمتحان إلا أن فوجئت بتوقف أوراقي فذهبت إلى العميد والذي أخبرني أنني أصبحت ضمن طلبة قسم النقد.
حدثني قليلا عن مسلسل "فايز التوش"؟
حكومة قطر إستعانت بمستشار في الدراما وهو الاستاذ الكبير عاصم توفيق والذي أراه معهدا مستقلا بذاته وأستفدت منه كثيرا وكان لي معه موقف لا أنساه إذ إعطاني يوما نصا لأقرأه وكان بعنوان "عودة مغترب" ولم يعجبني الأسم وطلبت منه تغيير الإسم ليصبح عنوان الفيلم الشهير "عودة مواطن" ، وهو أيضا كاتب المسلسل المصري الشهير "القاهرة والناس" وتأثرا بهذا المسلسل كتبت المسلسل الإجتماعي الكوميدي الناقد "فايز التوش" عام 84 ولكنه أوقف رقابيا في منتصفه وقدمت الجزء الثاني عام 85 وأوقف أيضا في الحلقة 22 وقدمت الجزء الثالق عام 89 وأوقف أيضا والرابع عام 99 وأوقف رقابيا وذلك لسخونة الطرح وتماشيه مع الأحداث.
هل ترى أن وطأة الرقابة واحدة في كل المجتمعات العربية؟
الذوق واحد بلا شك ، والموقف من المسرح موقف واحد في كل الدول العربية ، والمسلمين لما ترجموا الطب والحكمة من بلاد العالم المتقدم ترجموا كل شيء إلا المسرح لأنه يناقد السلطان لكن كلنا أمل في التغيرات السياسية الطارئه على الوطن العربي وأمريكا بغبائها لو قارئة جيدة للمسرح العربي لخمنت إنهيار البرجين ، والرقابة لا تهتم بحذف العبارات بقدر ما إهتمامها بشراء الرأس والفكر وفن المسرح فن المحاكاة وهو أول درس علمه الله للبشرية عن طريق حكاية الغرابين التي علم بها الأنسان كيفية دفن الموتى ، ولكن الفنانين أساءوا لجوهر الفن تحت مسمى السفالة والسقوط والإستسهال فهم لا يدركون أنهم يعملون في بقعة مقدسة والفن يخلق الحياة البديلة والمثالية ومن يمتهن الفن يجب أن يكون لديه الوعي الكافي لذلك.
أنت قطري ولدت في البحرين ودرست في الكويت والقاهرة...هل ساعد ذلك على تشكيل وجدانك فنيا؟
بدون شك نعم ...ونحن تربية جيل عروبي وفكرة المد القومي وانا مؤمن أن الحدود بين العربي حدود لا تراها العين وملغية في الرأس لكن الأنظمة تعشق الكرسي والمستقبل للبلد العربي الواحد.
كيف يرى الفنان غانم السليطي الفن بعد كل تلك السنوات؟
الفن وسيلة  لذلك جلست في البيت لأعوام لأني لا أجد النص المقنع وانا أستسخف من يقول أنني يجب أن أظل أمثل حتى لا ينساني الجمهور ، وانا أرى أنه لا خير في فن لا يطور أو يغير والفنان عليه أن يوضح عيون المجتمع وتعريته وليس مسؤولا عن المعالجة وانا أشبه الفنان بالغواص في البحر لتنقيته ، والفن يخلق حالة توازن عند المتلقي وأيضا عن الفنان والكاتب هو مريض بعصاب إيجابي أو البكتيريا الإيجابية للمجتمع .

أنت فنان صنفت على أنك كوميدي...لماذا هذا الشجن في صوتك إذا؟
لا توجد ضحكة تخرج بدون ألم وأنا بطبيعتي أتجه للبلاك كوميدي والكوميديا فلسفة قبل كل شيء بل هي فلسفة حزينة أيضا ، وأجمل الكوميديا التي تقدم من فنان موجوع لأن أحزانه صهرته لذلك تجد أن الماس أثمن الجواهر لأنه تعرض لأكبر قدر من الإنصهار.
تعرضت لأكثر من موقف صعب أخرهم وفاة إبنك محمد...من أين تأتي بهذا التماسك؟
إيماني بالله وقدره كبير وأنا في الأساس خريج معهد ديني ، ودعني أخبرك بأن إبنتي تعمل في مؤسسة في قطر ويعمل معها أمريكي ، ووقت وفاة محمد جاء زميلها الأمريكي وسألها عن كيفية تماسكها فأخبرتها أن السبب هو إيمانها الشديد بالله..فأسلم الرجل.
الفنانين الذين أثروا في غانم السليطي؟
الأسلوب هو ما يؤثر في وليس آلية التمثيل وتعجبني تركيبة محمد صبحي وتفكيره والكاتب السوري محمد الماغوط الذي تأثرت به وأحببته كأنسان وسافرت وجلست معه كثيرا وتمنيت لو قدمت عملا من كتابته إلا أنه قال لي جملة قاطعة وهي" لا أريد ان أقدم قردا أخر يتقافز على كتفي...وكان يقصد بالقرد الأول الفنان السوري دريد لحام" .
درجة تواضع غانم السليطي تدهش جمهور المسرح...أخلاق الفن ملتصقة بموهبته؟
نعم بالتأكيد وانا لا أهتم بوضع أسمي على الأفيش وكثيرا طالبت ألا يضعوا إسمي فأنا أول ما يهمني ماذا سأقدم ، وانا وفي مع نفسي للتاريخ وأنزلوا الناس منازلهم فأنا لا أنسى دور القديم سعد الفرج والنجم عبد الحسين عبد الرضا والقدير عاصم توفيق.
ماذا تمثل لك مسرحية عنبر و11 سبتمبر؟
كنوز الأرض لا تعادل حبي لهذا العمل ف"عنبر و11 سبتمبر" أعادت تأهيلي للمسرح جسديا بعد أكثر من 7 عمليات جراحية في فقرات الظهر كان تهدد وقوفي على الخشبة لكني والحمد لله ما زلت قادرا على العطاء.

الجمعة، 10 فبراير 2012

العنود


"العنود"...صرخات على وقع البيانو
ياسر صديق
جائتني تمشي على إستحياء...خطواتها مترددة متلعثمة...القلق يجتاح عينيها...مكياجها الهاديء على وجنتيها وشفتيها المزموتين وسنوات عمرها العشرين التي تنحشر داخل بنطالها الضيق كلها أشياء تعكس طبيعتها المتناقضة...لم أكن أعرفها...أتصلت بي يوما تطلب المقابلة ...سألتها من تكون ورفضت البوح أو التعريف بشخصيتها...كل ما طلبته موعد لأمر هام....هكذا روى لي صديقي الصحفي الشاب أيمن بركة...ويردف قائلا:كنت حديث عهد بعالم الصحافة ، أتلمس فيه أولى خطواتي وتعجبت من هذا الإتصال....كانت لهجتها بدوية وهو أمر جعلني أكثر إندهاشا...لم أكن مختلطا أو متعدد المصادر أو واسع النفوذ حتى تأتيني مكالمة كهذه...وفي اليوم المحدد...والميعاد المحدد...جلست أنتظرها...أخبرني موظف الإستقبال أن فتاة تطلب المقابلة فطلبت منه السماح لها بالدخول....ودخلت...كان وجهها صبوحا..مريحا...بريئا... جلست وأطرقت وجها أرضا وأخذت تفرك أصابعها في عصبية وتتجنب النظر في عيني...وأنا صامت في إنتظار أن تتكلم...كنت أرى أنه طالما هي التي طلبت تحديد موعد فمن الطبيعي أن تتحدث هي أولا ...وظلت صامتة...وأنا أيضا...طلبت الساعي وجاء...سألتها...ماذا تشربين....بصوت خافت بالكاد سمعته:قهوة بدون سكر....نظرت إلى الساعي وقلت له: وانا أيضا................
رفعت عينها ناحيتي وابتسمت قائلة:تبدو أصغر مما ظننت...تعجبت من خجلها الذي تحول إلى ما يشبه الغزل بشكل مفاجيء...إبتسمت لها في هدوء وقلت:وهذه ميزة أم عيب ؟ أجابتني بهمس:ميزة بالطبع فعندما قرأت لك وهاتفتك تخيل لي أنك أكبر بكثير...ضحكت حتى أبدد سحابة خجلها وترددها وقلت:هكذا الكتاب لديهم عمر قابل للتعامل مع كل الأعمار....أردفت قائلة وقد اتسعت إبتسامتها:وملامح أيضا!!....سألتها بشكل مباشر:خيرا!!! ما سبب المقابلة؟؟ تفاجئت بسؤالي وعادت إلى تلعثمها وخجلها وأرخت عينيها عني قائلة:ترى هل من الممكن أن تعطي كل شيء ويقابل صنيعك بالنكران؟ أجبتها وانا أخفي تعجبي من السؤال:هذا يتوقف على لمن توجهين صنيعك وهل يستحق أم لا....لم تخبريني عن اسمك؟ أجابتني وهي مطرقة الرأس:العنود......قلتك:إسم جميل وغير متداول حيث مسقط رأسي...إبتسمت وقالت:أنا أيضا أحبه...وهو أيضا...أو كان كذلك....قلت:لم تخبريني عن سبب المقابلة...بعين متألمة نظرت وقالت:قرأت لك فأنا أحب القراءة..أعجبتني كلماتك ورأيت أنه ربما يكون لديك حلا لما أنا فيه....نظرت في عينيها مباشرة وسألتها:وما هذا الذي أنتي فيه؟.....قامت من على مقعدها فجأة وجلست على المقعد المقابل لي...جلست في إسترخاء أدهشني...لم يكن إسترخاءا بل كانت جلسة لا تتناسب مع ذلك الوجه البريء الذي دخل علي بخطواته المرتعشة...نظرت في عيني وسألت:معك سيجارة؟؟....هززت رأسي نفيا في هدوء...وبدى على وجهها الأسف والضيق وتراجعت برأسها على مسند مقعدها وقالت كأنها تحدث سقف الحجرة:أنا طالبة في المعهد العالي للموسيقى...أحب الموسيقى...كان أبي أيضا يحبها...ولدت وأول ما وقع عليه عيني "بيانو" ضخم يتوسط غرفة المعيشة...كنت وانا صغيرة أنقر عليه ليخرج أصواتا مزعجة ...وأضحك لذلك...ويضحك أبي أيضا...كان يحبني...كان يحملني صغيرة ويمسك بأصابعي ويمررها على لوحات البيانو فتخرج أصواتا عذبة...كنت أفرح لذلك...وهو أيضا...كبرت وكبر حبي للموسيقي وتعلقي بالبيانو...دخلت معهد الموسيقى...وهناك قابلته...كنت في السنة الأولى وكان معيدا في المعهد...أنا من أسرة عريقة وكبيرة وكان هو غير ذلك...ولم أهتم....قاطعتها سائلا:وأمك؟......طالعتني كمن لدغها عقرب كأنها لم تتوقع السؤال وقالت: أمي!!! ماذا عنها؟ سألتها:أين هي أنك لم تتحدثي عنها مطلقا...صرخت...خرج صوتها ملتاعا عاليا:تزوجت....رجل أخر غير أبي...توفي أبي وانا في الخامسة عشر من عمري وبعد وفاته بعام تزوجت...عام واحد فقط...
جاء الساعي بالقهوة فسكتت وأدارت وجهها للنافذة ...وعلى باب الحجرة وقف رئيسي المباشر الذي هرع على صرخاتها وأخذ ينقل عينه بيني وبينها في قلق....ثم أنصرف....طلبت منها الجلوس...كانت تنتفض....لا أدري لماذا إختارتني أنا تحديدا كي تقص عليه ما تروي...لست طبيبا نفسيا فلماذا أنا...نظرت إلي مبتسمة وقالت:أتعلم أنك تشبه ذلك الرجل الذي أحب كتابته؟ نظرت إليها في هدوء وقلت:وما اسم ذلك الذي تحبين كتابته؟ لوحت بذارعيها بعدم إهتمام وأجابت:لا أتذكر فلست ممكن يحفظون الأسماء ولا الأرقام لكنه أشيب منك وأكبر و.....

قاطعتها في هدوء:أكملي ما كنت تقولين.....نظرت إلي بنظرة ساخطة ثم تابعت قائلة: كان وجهه أول وجه تقع عليه عيني داخل المعهد...كان أول يوم لي والأرتباك يملؤني ولا أعرف أين قاعة المحاضرات فأرشدني إليها...وسيما...خفيف الظل...مهندما...بدا خلوقا...ومرت الأيام وتقاربنا...وأحببته...وقالي لي أنه أيضا كذلك...طلبت منه أن نتزوج...لم أكن أشعر بالراحة مع أمي ولا مع ذلك الذي تزوجته...ذهب لمقابلة عمي...قوبل طلبه برفض قاطع خانق...جائني غاضبا...وأفرغ غضبه في وجهي بالصراخ والكلمات الجارحة...وتحملت...كنت أراه على حق...لقد جرحه عمي...إختفى يومين أو ثلاثة...أغلق هاتفه ...وأعتزل المعهد...وأعتزلني...بحثت عنه كالمجنونة ولم أجده...ثم جاء بعد أربعة أيام...هادئا...بشوشا...متأسفا...تناولنا الفطور ثم طلب مني أن نخرج للنزهة...وافقت على الفور...ذهبنا إلى السينما...هو يحبها...وأنا أيضا...تناولنا بعدها الغداء...وخرجنا...توقف بسيارته أمام بناية في منطقة تعج بالوافدين...طلب مني الإنتظار حتى يأتي بشيء من شقة صديقه ...ووافقت..وانتظرت...ساعة ولم يأتي...أتصلت عليه أجابني:سأتأخر قليلا لظرف طاريء إصعدي فلا أرى ضرورة لمكوثك في السيارة وحدك...تمنعت...وألح...واستجبت...صعدت...لن أخبرك أنني كنت أثق به...فلم أفكر في ذلك لأنني لم أكن أعرف غيره حتى يتثنى لي أن أثق به دون غيره...كان هو فتاي الوحيد....والأوحد...ولم يصن تلك الثقة...ولم يحافظ علي....كان في تلك الشقة شخص أخر غير الذي عرفت...كانت عيناه يملؤها الغضب...والحقد...ويداه تنهشني نهشا....وخرجت من عنده باكية...أصرخ...وهو يطالعني في صمت...وبرود...أوصلني إلى بيتي...ترجلت من سيارته...وقال لي:تحياتي إلى الأسرة العريقة...وعمك الرفيع الشأن...وأختفى...لم أره ثانية...رفعت إلي عينيها الباكية وأعادت السؤال: ترى هل من الممكن أن تعطي كل شيء ويقابل صنيعك بالنكران؟....أجبتها بعين مشفقة:قلة الخبرة وإنعدام التجربة وعدم وجود الموجه في حياتك أوقعك حيث وقعتي.....صرخت: والحل؟....بهدوء أجبتها:تجاوزي عن ما حدث فحزنك لن يعيد ما كان.....إرتفع صراخها:أتجاوز!!!! كيف لي أن أتجاوز عن من وهبته كل شيء!!!أتعلم أني أغدقت عليه المال؟ أتعلم أني أعطيت ما يمكنه من شراء شقة حتى نتزوج؟ أتعلم........وبكت....بكاءا حادا مرا...وأخذت تلعن...تلعن كثيرا....وتذكر أباها وتحادثه كأنه بيننا...ثم أخذت حقيبتها وخرجت ...جاءت ببطء وخرجت كالعاصفة....وجلست وحدي أفكر....في تلك الكلمة السحرية .....الحب...هي الكلمة التي تترك الفتاة على بابها كل حذر وكل توقع وتبذل كل شيء من أجلها...وأفقت من شرودي على صوت رئيسي المباشر يسأل:من الفتاة....أجبتها:إسمها "العنود" فتاة أحبت من لا يستحق...قال ضاحكا:وما دورك في القصة؟ أجبته مبتسما:لعبت دور المستمع...حياني وأنصرف...وجلست أفكر فيها......في العنود.


الخميس، 9 فبراير 2012

قصة قصيرة


نار الشباب وماء المشيب
ياسر صديق
جلس سعد الرفاعي على كرسيه المعتاد في شرفته مثل كل الأيام...وفي مثل هذا الوقت تحديدا في الخامسة من بعد ظهر كل يوم...فنجان الشاي الذي يشرب نصفه ويشرد فيبرد النصف الأخر ويظل على حاله دون ان تمتد يده إليه...منذ أن أحيل إلى المعاش وهذه حياته...وهذا يومه...كان يعمل في وزارة الثقافة بدرجة وكيل وزارة...سمعته طيبة داخل الوزارة وخارجها وفي محيط سكنه أيضا...ولم تكن تلك السمعة سببها حسن إختلاطه بمن حوله أو طيب معاشرته لجيرانه بل كان مبعثها الصمت......فقط الصمت...كان الرجل ينفذ كل ما يوكل إليه في صمت يحسده عليه كثيرون ...كان لديه طبيعة هادئة من النادر أن تخترق بإعتراض أو موجة من العصبية...وظل على حاله هذا حتى أحيل للمعاش...لا يعرف أغلب جيرانه إسمه بالكامل لكنهم يجلونه ويقدرونه إعجابا بصمته الذي كفاه عناء توضيح وجهة نظر أو فض مشاجرة ليس له دخل فيها أو التأمر على شخص ينافسه في محيط عمله...سعد الإسكافي لم تعرف روحه هذا النوع من التحدي وهذه القدرة على الصراع.....أفاق من شروده على صوت طرقات الباب...قام بخطوات بطيئة كأنه يتمنى في أعماقه أن يمل ذلك الطارق وينصرف...وعلى الباب وقف شاب نحيف يرتدي نظارة طبية كبيرة تكاد تبتلع وجه بالكامل...يتصبب عرقا...وسأله الشاب:الأستاذ سعد؟ بحذر:نعم.....الشاب:خطاب لك من باريس...تهلل وجهه بعض الشيء واخذ منه الخطاب في لهفة وأعطاه نظير تلك البشارة وأغلق الباب...وعلى أقرب كرسي جلس سعد...يفتح الخطاب ...بعين دامعة كأنه يعرف ما فيه قبل أن يقرأه...كان من إبنه...سامر...إبنه الوحيد...هاجر منذ 10 سنين إلى باريس...مضطرا...وقرأ سعد بصوت مسموع:"أبي...كيف حالك؟..أتمنى أن تكون في صحة جيدة...أنا بخير وبرجيت أيضا بخير...أه نسيت أنك لا تعرفها...إنها زوجتي تعارفنا منذ عام وتزوجنا وهي الأن حامل في سبعة أشهر...لك مني كل التحية...إبنك سامر"...وانسابت الدموع من عينه وتسائل!!!...من أين جاء ولده بتلك الغلظة وذلك الجفاء!!...أهذا كله بسبب خطأ وحيد...خطأ قد يقع فيه كل الرجال!! وألقي بالخطاب بطول يده وفي عينيه غضب كبير...وألم أكبر....
وقف في المطبخ يصنع لنفسه فنجانا من القهوة...وضع البن في القدح وارتعشت يده وسقط البن...وشرد...عاد إلى الوراء....إلى ما قبل خمسة عشر عاما مضت...كان وقتها في أوج سلطانه داخل الوزارة...نال رضا رؤسائه بصمته عن كل تجاوز وفساد...ونال حب مرؤوسيه لعدم تزمته وصبره على أخطائهم وأنحراف بعضهم...ماتت زوجته منذ زمن...منذ أن تزوجها وهي مريضة عليلة...تعبت في ولادة إبنه الوحيد ومن بعدها وهي تعاني من دوار مزمن ألزمها الفراش فترة ليست بقليلة....وماتت..وانشغل هو بتربية الطفل ....وبعمله أيضا...حاول أن يتزوج لكنه كان مترددا بعض الشيء ولا يدري لماذا....حتى رآها...."زبيدة"...كانت شابة بالكاد تبلغ خمسة وعشرين عاما وكان هو في الخامسة والأربعين...جاءت كموظفة جديدة في الوزارة ...مرتبكة...مرتعشة...تم تعيينها في مكتب السكرتارية التابع له...وبعد يومين تبدد داخل زبيدة كل أرتباك وتحولت رعشتها إلى رقصة تتمثل في مشيتها متمايلة تتهادى ...وأعجبته...وجد فيها التعويض الكافي عن سنواته التي قضاها أعزبا...ورأت فيه طريقا سهلا لتحقيق طموحا ورفعا من البيئة التي طالما احتقرتها ...كانت لديها دائها تلك النزعة المتطلعة على الدوام....وتزوجها...وتبدل حاله...كانت تتحكم في مقادير حياته...ماذا يرتدي...كيف يأكل..كيف ينفق...بل كانت هي التي تنفق بعد أن يعطيها راتبه طواعية...كان سبب أرقها الوحيد هو ...سامر...إن زوجها يحبه كثيرا وفي ذلك منافسة صارخة لها...وكانت تسيء معاملته وكان هو في العشرين وكل شيء في داخله يتمرد على سيطرتها وعلى ضعف أبيه وصمته حيال ما تفعل...وفي ليلة وضحاها...سافر سامر دون أن يخبر أباه...بعث له خطابا من فرنسا يخبره أنه هناك ولن يعود متمنيا له السعادة مع تلك التي تزوجها...واليوم....كان ثاني خطاب منه منذ أن هاجر مبتعدا...زبيدة...ملكت عقل سعد... جعلته عن طيب خاطر منه ألعوبة... وأغدق عليها المال...حتى إرث أبيه إستحوذت عليه...وببرود وثقة...طلبت الطلاق...قالت له:انت عجوز متهالك وانا شابة لا تحكم علي بفناء عمري القادم مع مثلك...توسل إليها...رجاها...ركع عند قدميها...ذرف الدمع من أجل أن تظل معه...ولم يشفع لها ذلك عنده....هو الآن وحيدا...باكيا...خسر ولده الوحيد..وخسر تلك الماكرة التي أحب...
صوت الآذان يرتفع معلنا عن صلاة العشاء...كأنه يسمعه للمرة الأولى..لم يكن مواظبا على الصلاة...لكنه شعر أنه بحاجة إلى تلك السكينة...توضأ...دخل أقرب مسجد قابله...صلى...تبتل...دعا...بكى بكاءا حارا....ثم جلس...إقترب منه شيخا ...ربت على كتفه وجلس إلى جواره...وسأله: ما بك؟...وكأنه كان ينتظر ذلك السؤال من أي أحد...وظل يروي ويقص ويسترسل عن مآساته... والشيخ يستمع وإبتسامة الرضا تعلو وجهه ثم صمت...صمتا طويلا مجهدا... قال الشيخ: هون عليك...لقد أوجعت نفسك بنفسك....تجلت في عيون سعد نظرة حائرة متسائلة...فأجابه الشيخ دون أن يسأل:يقول نبي الرحمة" يا معشر الشيوخ إياكم والشباب...قالوا لم يا رسول الله...قال:نار تندلع وماء ينقطع"...لم يسمع سعد يوما بهذا الحديث...لم يكن يوما متدينا إلى الحد الذي يجعله حافظا للأحاديث...ووقعت الكلمات في قلبه...ربت الشيخ على كتفه وقام منصرفا...وهو جالس يردد في ذهول حزين....نار تندلع ....وماء ينقطع.

الخميس، 2 فبراير 2012

قصة قصيرة


بتول الحب ... وسيف العسكر
هو...سيف المحمدي...مقدم في سلاح الصاعقة بالجيش المصري ، طبيعته الملتزمة وتربيته العسكرية فرضت عليه سياجا من العزلة...وأحب هذا السياج...واعتبره مع مرور السنوات فاصل بينه وبين الكثير من المتطفلين...صرامته البادية على وجهه كست ملامحه الوسيمة بإطار فولاذي جعلته يبدو في بزته العسكرية مخيفا لكل القريبين منه ...وكان سعيدا بهذا ويراه هيبة لابد منها...توفي والده منذ سبع سنوات وتوفيت أمه وهو في العاشرة من عمره...والآن هو وحيدا...ولم يلقي بالا لهذا يوما.
هي...بتول المسيري...كاتبة وشاعرة ولديها صالون أدبي...ولدت لأب مصري يعمل في السلك الدبلوماسي بدرجة سفير مفوض وأم هولندية قضت نحبها في حادث صيد ... جميلة ...جمعت في جمالها برودة الغرب وسحر الشرق ...درست الأدب الفرنسي في جامعة السوربون وتنقلت مع أبيها من بلد إلى أخر بحكم عمله لذلك لم تكون صداقات ولم تشعر بالاستقرار يوما...تزوج أبوها فتاة برازيلية وعاش معها في البرازيل وعادت هي إلى مصر واستقرت فيها.
هو...حياته تدور وفق نظام وجدول زمني صارم...يستيقظ في الخامسة صباحا الرياضية وينزل ليمارس رياضة العدو لمدة ساعة يوميا ليعود ليستحم ويتناول إفطاره ثم يرتدي بزته العسكرية ويذهب إلى وحدته في تمام السابعة صباحا...في الرابعة بعد الظهر يعود إلى البيت...يتناول غدائه...وينال قسطا من الراحة لمدة ساعتين...ثم يذهب إلى النادي لممارسة رياضة الجودو المفضلة لديه وفي التاسعة يطالع التلفاز لمدة ساعة ثم يخلد إلى النوم هكذا...كل يوم...بدون ملل أو ضجر .
هي ...يبدأ يومها من حيث ينتهي يومه هو...تستيقظ في الخامسة بعد الظهر...تتناول إفطارها وتشعل سيجارتها في كسل ...تبدأ في إجراء إتصالات هاتفية أو تلقيها...تستحم...تذهب إلى الصالون ثم إلى الفندق المفضل لها حيث صالونها الأدبي....زحام حولها من أناس يرون في أنفسهم سطوة الفن وجنونه...هم فقط يرون ذلك...كلام حول دنيا الأدب والفكر دائما ما ينتهي إلى حديث لا يرقى أبدا إلى ما يدعونه...ثم تذهب إلى سهرة لدى أحد من هؤلاء ...لتظل تضحك وتشرب...هي تعشق الخمر...جذورها الهولندية وتربيتها الغربية جعلتها لا ترى في ذلك أمرا مشينا... تعود في الخامسة صباحا أو بعد ذلك بقليل.
العامل الوحيد الذي يجمعهما .....يسكنان في بناية واحدة!!!!
هو...في يوم من أيامه التي لا تتغير أبجدياتها ... نزل ليتريض كعادته ...نظرة سريعة على ساعة يده جعلته يرتد عائدا إلى البناية...يصعد درجات سلم مدخلها ...كان دائما يكره المصعد...كان يراه قد صنع من أجل كبار السن أو المرضى فقط...وهو ليس كذلك...
وأمام المصعد ...رأها أول مرة...تقف ووجها للمصعد في انتظار وصوله...وظهرها له...كل شيء فيها يبدو صارخا...مكياجها صارخ...فستانها القصير يكشف عن أغلب ساقيها...عطرها الذي يملأ مدخل البناية...سيجارها الذي تنفثه كأنها تطرده...وتوقف مرتبكا...لم يشاهد ذلك النموذج من قبل...حياته لم تكن بها متسعا للنساء......علاقته بالنساء توقفت عند أمه وكفى...جديته وصرامته وطبيعته المتحفظة كانت تتعارض دائما مع أي علاقة تخترق نظام يومه السرمدي...جاء المصعد...دخلت وهمت بإغلاق الباب ...ورأته واقفا يطالعها بعين غلب عليها التوتر...إبتسمت له إبتسامة من إعتادت ذلك وسألته:صاعد؟....صمت قليلا ثم هز راسه نفيا دون أن يتكلم ....إتسعت إبتسامتها لتتحول إلى ضحكة خليعة وأغلقت المصعد وصعدت...ووقف يطالع المصعد بعينيه...وقد وقعت إبتسامتها في قلبه.
مضى يومه ككل أيامه ...لم يتغير شيئا من برنامجه الإلزامي...وعند التاسعة ...وقت عودته من النادي...وفي مدخل البناية...توقف...عطرها إصطدم بأنفه...فأربك عقله ووقف متلعثما يتلفت بحثا عنها...ولم تخيب الأقدار ظنه... وانشق المصعد عنها......بمكياجها الذي تبدو فيه وكأنها تعانق الكون...وعطرها الذي يأسره ...وفستان الصارخ الكاشف...وجرأتها تربكه...تسقط عنه وقاره الذي يعتز به...طبيعته العسكرية تنهار أمام تلك الكاريزما الطاغية...ووقف مكانه متسمرا...وخرجت مسرعة من المصعد ونظرت إليه وهو واقف...فأطلقت ضحكتها الخليعة وهي تقول ضاحكة....أما زلت تقف هنا منذ الصباح؟ ...تلعثم قليلا ثم أعتدل في وقفته وعقد ساعديه أمام صدره مجيبها بلهجة تعمد أن تكون هادئة...وأنتي...أهذه ضحكة جديدة أم صدى ضحكتك تتردد منذ الصباح؟...أحست أنه يسخر منها فزمت شفتيها في غضب ونظرت إليه بعين ساخطة وبادلها هو النظرة ببرود وتحدي...كان يحاول أن يتغلب على ذلك الضعف الذي يسيطر عليه حين يراها...ونجح في إخفاء تأثره...وفي إهانتها أيضا ...أسرعت من أمامه غاضبة ...ووقف يطالعها بتشفي..وبكثير من الإعجاب...وأدرك أنه ليلته هذه لن تكون كباقي لياليه وأنها ستزاحمه في عقله....ونومه .
لم تستطع "بتول" أن تمضى ليلة ماجنة كما اعتادت...وسامته وصرامته قد أحدثا بداخلها الكثير...كلامه اللاذع وتعليقه الساخر يلسعانها كالسياط...أنها غاضبة...ومنذ زمن لم يستطع رجلا أن يغضبها...أحبت وتزوجت رجلا يكبرها في أوكرانيا وسرعان ما أنفصلت عنه ومن يومها والرجل إما حولها يخطبون ودها أو تحت قدميها يرجون رضاها...وراحت تتساءل من هو؟.....ولأول مرة منذ سنوات تعود من سهرتها مبكرا....لعلها تلقاه ...وبخلت عليها الصدفة بلقاء أخر لتقضي الليل بطوله تحلم بلقاء جديد......عند المصعد.
قطع "سيف" درجات السلم صباحا في طريقه إلى وحدته العسكرية ...لم يعاند أو يكابر...كانت صورتها تقطع عليه منامه وتنغص عليه ليله...إنها تبهره...وهناك شيء في داخله يتمناها...وأحساسه هذا يتقاطع مع ما تربى وكبر عليه...وصرامته وجديته يرهقانه حين يفكر فيها...فيعود مرتدا طاردا صورتها من عقله....وكان يراهن نفسه أنه سيراها اليوم...أو هكذا كان يتمنى...وعلى باب المصعد ....كانت تقف...مبتسمة رغم الإرهاق البادي على ملامحها...
بتول:صباح الخير....أجابها مترددا:صباح الخير...بتول مبتسمة:هذه أول تحية بيننا منذ كلماتك اللاذعة....هو بإبتسامة خرجت على الرغم منه:لم تكن كلماتي بقصد السخرية بل...قاطعته بلهفة:بل ماذا؟...تهدجت أنفاسه وهو يقول :كنت أظنها كلمات غزل...إتسعت إبتسامتها وسألته في دلال:ماذا تعمل....أجابها وقد غلبت عليه نشوته العسكرية:مقدم في سلاح الصاعقة...جاء جوابه مفاجئا لها...لم تتعامل مع ظباط من قبل...وأعجبها إجابته...ومهنته...ونظرت إليه في إعجاب لم تحاول إخفائه وقالت:سنلتقي ثانية ....واتجهت نحو المصعد....ووجد نفسه يردد في آلية:أتمنى ذلك......ولأول مرة ....يصل "سيف" إلى وحدته متأخرا...لقد أربكت "بتول" ساعته البيولوجية.......ولأول مرة...تقضي بتول صباحها مستيقظة...تفكر في ذلك الـ.....الصاعقة الذي هبط عليها من منطاده.
تغيرت خريطة "سيف" اليومية...أصبح للمصعد أهمية خاصة في حياته...فهو المحطة التي يتلقيان فيها...وأحب تلك المحطة...وهي...أصبحت تتعلل بأشياء تختلقها كي لا تذهب إلى صالونها الأدبي...تراه أهم...ومعرفته والتقرب منه أشد إثارة...وبدءا يتقربان من بعضهما ...تبادلا أرقام الهاتف وكانا يقضيان الليل يتحدثان ....وأنبهاره بجرأتها وإنبهارها بنقاءه تتبلور داخل كل منهما بسرعة وأندفاع...والسرعة تعجبهما...والاندفاع يزيدهما نشوة.
ورغم الضعف والتخبط الذي يجتاح "سيف" عندما يراها ويتحدث إليها إلا أن جديته وحدته دائما ما تبرز خلال تعاملهما سويا...إختلفا يوما حول طبيعة المرأة هي تراها أرق وأهم وهو يراها أقل شأنا من ذلك...ومع سخونة الحوار أسهبت "بتول" في الحديث وسرقها الإنفعال فإذا بـ"سيف" يخرسها بصوت عسكري حازم قائلا:"أصمتي"........وصمتت...إنبهارا وليس غضبا...أنها تذوب أمام تلك الهيمنة والصرامة...لم تقابل هكذا رجلا من قبل...وأحبته....وسلبته عقله.......وقلبه بالطبع...اتصلت به يوما ليلا قائلة:أتحب الأفلام؟ سيف: نعم...بتول:معي فيلم لـ أل باتشينو تعالى نشاهده معا...سيف مندهشا:نشاهده معا!!!أين؟ بتول وهي تخفي ضحكة ماكرة:هنا ...عندي في البيت...الأرتباك يبدو واضحا في صوته :عندك!!! ولكني أفضل أن......قاطعته:سأنتظرك لا تتأخر...................على باب شقتها وقف سيف مترددا...وانفتح الباب ليقطع تردده...ووجدها امامه وخارت كل مقاومة بداخله...دخل إلى الشقة وهي تنظر إلى عينيه في جرأة...سألها مرتبكا:أين الفيلم؟...ضحكت بدلالها المعهود :أكيد ليس على باب الشقة....تفضل...جلس على أقرب أريكة وعقله يرتج داخل رأسه بقوة...إنها تقتل داخله كل مقاومة...تقتحمه بشدة...عطرها يسرقه ويمحو كل أثر لمقاومة...وثوبها ينسدل على جسدها في نعومة أكبر من إحتماله....وجاءته بشراب التوت...هو يرفض الخمر وهي تعلم ذلك فشاركته شراب التوت...وجلسا متجاورين...يطالعان الفيلم...هي...تشعر بأنفاسه المتهدجة...وهو ليس هنا...عيناه لا ترى الفيلم بل تراها هي فقط...يجلس بجوارها يطالعها بطرف عينيه...واستكانت فوق صدره ولم يقاوم...سألته أتحبني؟ اجابها:وهل هناك من يملك آلا يحبك؟.......
في الصباح...إستقيظت "بتول" لم تجده بجوارها...راحت تبحث عنه في أنحاء المنزل...لم تجده...وجدت ورقة مطوية...فتحتها لتقرأ:"بتول" سامحيني..إنني أحبك لكنك أقوى مني ...سطوتك على شخصيتي ترهقني...جاذبيتك تضغط على أعصابي وتشعرني أنني لاشيء والرجل يحب أن تكون يده هي العليا على من يحب ..أن يكون في حياتها كل شيء...لا أستطيع أن اواصل...سأبتعد...أحبك...وغامت الدنيا أمام عينيها.........
هو...داخل وحدته العسكرية وقف يطالع تدريبات الجنود من نافذة مكتبه...عيناه فقط ترقب ...وعقله موجود حيث هي...لقد سرقته...باغتته...هي أقوى منه ولا شك...وهو يحب عالمه الذي تعود عليه...تعود أن يكون متبوعا لا تابعا...مرغوبا لا راغبا...وهي تفقده كل ذلك ...وهو يحب كونه قويا مسيطرا ولا يستطيع أن يكون غير ذلك...أفاق من شروده وهز كتفيه أسفا ووقعت عيناه على جنديا فناداه بصوت هادر فأسرع الجندي إليه مرتعدا فقال له سيف بصوت آمر:لماذا تبدو غير مهندما وحذاءك رثا...محروم من الإجازة ...إنصراف...إرتد الجندي إلى الخلف مبتعدا مرتجفا....ووقف "سيف" يطالعه في نشوة...ثم نظر المرآة وأخذ يطالع نفسه في خيلاء قائلا: الحكمة القديمة تقول" إن السعادة لم تخلق للعظماء...وانا واحد منهم ولا شك..........
هي...تدور في المنزل وتقطعه شرقا وغربا كأنها تبحث عن شيء...لقد خطف قلبها ورحل...إختراق حواسها ومضى مبتعدا ...ترك فيها الأثر كرجل....وولى بعيدا.... دخلت إلى حجرتها....اخرجت جهاز الجرامافون الذي تعتز به...وجلست تستمع  وهي تنتحب إلى صوت نزار قباني وهو يقول:
متي ستعرف كم أهواك يا رجلا...أبيع من أجله الدنيا وما فيها
يا من تحديت في حبي له مدنا..بحالها...وسأمضي في تحديها
لو تطلب البحر في عينيك أسكبه...أو تطلب الشمس في كفيك أرميها
أنا أحبك....فوق الغيم أكتبها...وللعصافير والأشجار أحكيها
أنا أحبك....فوق الماء أنقشها...وللعناقيد والأقداح أسقيها
أنا أحبك يا سيفا أسال دمي...يا قصة لا أدري ما أسميها
أنا أحبك حاول أن تساعدني فأن من بدأ المأساة ينهيها
وإن من فتح الأبواب يغلقها وأن من أشعل النيران يطفيها