الأربعاء، 25 يوليو 2012

ملحق رمضان....محمد علي باشا


ولد شمال اليونان لأسرة ألبانية
محمد علي باشا.......موسس الدولة المصرية الحديثة (1)
·       كان أبوه "إبراهيم آغا" رئيس الحرس المنوط بخفارة الطريق ببلده وقيل أنه تاجر تبغ
·       تزوج من أمينة هانم فأنجبت له ثلاث ذكور وبنتين وكان له العديد من المستولدات
·       كان نائب رئيس الكتيبة الألبانية التي أرسلت إلى مصر لانتزاعها من يد الفرنسيين
·       صدر فرمان سلطاني بعزله من ولاية مصر وتوليته ولاية سلانيك إلا أنه تحايل على الفرمان
أيقن أنه لن تطلق يده في الحكم حتى يزيح الزعماء الشعبيين
·       في 1809 فرض ضرائب جديدة على الشعب فهاج الناس ولجأوا إلى عمر مكرم
·       أمر بنفي  عمر مكرم إلي دمياط وبذلك اختفت الزعامة الشعبية الحقيقية
·       تظاهر بمصالحة المماليك واستمالتهم حتى يستدرجهم للعودة من الصعيد
·       قُدّر عدد من قتلوا في مذبحة القلعة إلى نحو 1000 مملوك

·       كان يؤمن أنه لن يستطيع أن ينشئ قوة عسكرية على الطراز الأوروبي
·       بالتجربة ثبت أن الجنود الأتراك والأكراد والألبان لم يعودوا يصلحون ليكونوا عماد جيشه
·       أصبح لمصر جيش نظامي بدأ يتزايد باطّراد حتى بلغ 169 ألف ضابط وجندي في إحصاء تم عام 1833
·       أصيب محمد علي بحالة من جنون الارتياب وأصبح مشوش
·       سنة 1844 تبيّن لرئيس الديوان المالي أن ديون مصر بلغت 80 مليون فرنك
·       كان مرض إبراهيم باشا بالسل سبب أخر في آلام محمد علي
·       بحلول عام 1848 د أصيب بالخرف وأصبح توليه عرش الدولة أمرًا مستحيلاً فعزله أبناؤه

إعداد:ياسر صديق        
هو مؤسس مصر الحديثة وحاكمها ما بين عامي 1805 إلى 1848. استطاع أن يعتلي عرش مصر عام 1805 بعد أن بايعه أعيان البلاد ليكون واليًا عليها، بعد أن ثار الشعب على سلفه خورشيد باشا، ومكّنه ذكاؤه واستغلاله للظروف المحيطة به من أن يستمر في حكم مصر لكل تلك الفترة، ليكسر بذلك العادة التركية التي كانت لا تترك واليًا على مصر لأكثر من عامين.
في ثلاث أجزاء سنستعرض سيرة الرجل الذي فجر ثورة التنمية الحديثة في تاريخ مصر المحروسة والذي واجه وجابه دول أوروبا بقوتها وعدتها.

نشأته
وُلد محمد علي باشا في مدينة قولة، شمال اليونان حاليًا. احتفظت به الحكومة اليونانية وأجرت عليه بعض التصليحات كي يظل قائمًا، ويُشكل حاليًا معلمًا من معالم المدينة.
ولد في مدينة قولة التابعة لمحافظة مقدونيا شمال اليونان عام 1769، لأسرة ألبانية ، كان أبوه "إبراهيم آغا" رئيس الحرس المنوط بخفارة الطريق ببلده وقيل أن أباه كان تاجر تبغ. كان لوالده سبعة عشر ولدًا لم يعش منهم سواه وقد مات عنه أبوه وهو صغير السن، ثم لم تلبث أمه أن ماتت فصار يتيم الأبوين وهو في الرابعة عشرة من عمره فكفله عمه "طوسون"، الذي مات أيضًا، فكفله حاكم قولة وصديق والده "الشوربجي إسماعيل" الذي أدرجه في سلك الجندية، فأبدى شجاعة وحسن نظر، فقربه الحاكم وزوجه من امرأة غنية وجميلة تدعى "أمينة هانم"، كانت بمثابة طالع السعد عليه، وأنجبت له إبراهيم وطوسون وإسماعيل ومن الإناث أنجبت له ابنتين وحين قررت الدولة العثمانية إرسال جيش إلى مصر لانتزاعها من أيدي الفرنسيين كان هو نائب رئيس الكتيبة الألبانية والتي كان قوامها ثلاثمائة جندي، وكان رئيس الكتيبة هو ابن حاكم قولة الذي لم تكد تصل كتيبته ميناء أبو قير في مصر في ربيع عام  حتى قرر أن يعود إلى بلده فأصبح هو قائد الكتيبة ووفقًا لكثير ممن عاصروه، لم يكن يجيد سوى اللغة الألبانية، وإن كان قادرًا على التحدث بالتركية.
كذلك كان لمحمد علي عدد من المستولدات، وهنّ ما ملكته يمينه وفقًا للشريعة الإسلامية، كالجواري أو الإماء. أما مستولداته فهن: أم نعمان وقد رُزق منها نعمان بك، عين حياة قادين وقد رُزق منها محمد سعيد باشا، ممتاز قادين وقد رُزق منها حسين بك، ماهوش قادين وقد رُزق منها علي صديق بك، نام شاز قادين وقد رُزق منها محمد عبد الحليم، زيبة خديجة قادين وقد رُزق منها محمد علي باشا الصغير، شمس صفا قادين وقد رُزق منها بنتين: فاطمة هانم ورقية هانم، شمع نور قادين وقد رُزق منها زينب هانم. بالإضافة إلى نايلة قادين وكلفدان قادين وقمر قادين، اللواتي لم يُرزق منهن بأولاد.

إعتلائه عرش مصر
بعد فشل الحملة الفرنسية على مصر، وانسحابها عام 1801، تحت ضغط الهجوم الإنجليزي على الثغور المصرية، الذي تواكب مع الزحف العثماني على بلاد الشام إضافة إلى اضطراب الأوضاع في أوروبا في ذلك الوقت. شجع ذلك المماليك على العودة إلى ساحة الأحداث في مصر، إلا أنهم انقسموا إلى فريقين أحدهما إلى جانب القوات العثمانية العائدة لمصر بقيادة إبراهيم بك الكبير والآخر إلى جانب الإنجليز بقيادة محمد بك الألفي. ولم يمض وقت طويل حتى انسحب الإنجليز من مصر وفق معاهدة أميان. أفضى ذلك إلى فترة من الفوضى نتيجة الصراع بين العثمانيين الراغبين في أن يكون لهم سلطة فعلية لا شكلية على مصر، وعدم العودة للحالة التي كان عليها حكم مصر في أيدي المماليك، وبين المماليك الذين رأوا في ذلك سلبًا لحق أصيل من حقوقهم. شمل ذلك الصراع مجموعة من المؤامرات والاغتيالات في صفوف الطرفين، راح ضحيتها أكثر من والٍ من الولاة العثمانيين. خلال هذه الفترة من الفوضى، استخدم محمد علي قواته الألبانية للوقيعة بين الطرفين، وإيجاد مكان له على مسرح الأحداث، كما أظهر محمد علي التودد إلى كبار رجالات المصريين وعلمائهم ومجالستهم والصلاة ورائهم، وإظهار العطف والرعاية لمتاعب الشعب المصري وآلامه، مما أكسبه أيضًا ود المصريين.
 في مارس 1804، تم تعيين والٍ عثماني جديد يدعى "أحمد خورشيد باشا"، الذي استشعر خطورة محمد علي وفرقته الألبانية الذي استطاع أن يستفيد من الأحداث الجارية والصراع العثماني المملوكي، فتمكن من إجلاء المماليك إلى خارج القاهرة، فطلب من محمد علي بالتوجه إلى الصعيد لقتال المماليك، وأرسل إلى الآستانة طالبًا بأن تمده بجيش من "الدلاة". وما أن وصل هذا الجيش حتى عاث في القاهرة فسادًا مستوليا على الأموال والأمتعة ومعتديا على الأعراض، مما أثار تذمر الشعب، وطالب زعماؤه الوالي خورشيد باشا بكبح جماح تلك القوات، إلا أنه فشل في ذلك، مما أشعل ثورة الشعب التي أدت إلى عزل الوالي، واختار زعماء الشعب بقيادة عمر مكرم -نقيب الأشراف- محمد علي ليجلس محله. وفي 9 يوليو 1805، وأمام حكم الأمر الواقع، أصدر السلطان العثماني سليم الثالث فرمانًا سلطانيًا بعزل خورشيد باشا من ولاية مصر، وتولية محمد علي على مصر.

سياسته
بعد أن بايعه أعيان الشعب في دار المحكمة ليكون واليًا على مصر في 17 مايو سنة 1805م والذي أقره فيها الفرمان السلطاني الصادر في 9 يوليو من نفس العام، كان على محمد علي أن يواجه الخطر الأكبر المحدق به، ألا وهو المماليك بزعامة محمد بك الألفي الذي كان المفضل لدى الإنجليز منذ أن ساندهم عندما أخرجوا الفرنسيين من مصر. ولم يمض سوى 3 أشهر حتى قرر المماليك مهاجمة القاهرة، وراسلوا بعض رؤساء الجند لينضموا إليهم عند مهاجمة المدينة. علم محمد علي بما يدبر له، فطالب من رؤساء الجند مجاراتهم واستدراجهم لدخول المدينة. وفي يوم الاحتفال بوفاء النيل عام 1805، هاجم ألف من المماليك القاهرة، ليقعوا في الفخ الذي نصبه محمد علي لهم، وأوقع بهم خسائر فادحة، مما اضطرهم للانسحاب. حينئذ، استغل محمد علي الفرصة، وطاردهم حتى أجلاهم عن الجيزة، فتقهقروا إلى الصعيد الذي كان ما زال في أيديهم.
وفي أوائل عام 1806م، أنفذ محمد علي جيشًا لمحاربة المماليك في الصعيد بقيادة حسن باشا قائد الفرقة الألبانية، الذي اشتبك مع قوات محمد بك الألفي الأكثر عددًا في الفيوم، وانهزمت قوات محمد علي مما أدى إلى انسحابها إلى جنوب الجيزة، ثم فرّت جنوبًا إلى بني سويف من أمام قوات محمد بك الألفي الزاحفة نحو الجيزة. تزامن ذلك مع زحف قوات إبراهيم بك الكبير وعثمان بك البرديسي من أسيوط لاحتلال المنيا، التي كانت بها حامية تابعة لمحمد علي، إلا أن قوات حسن باشا دعّمت الحامية وأوقفت زحف قوات المماليك إلى المنيا.
في تلك الأثناء، صدر فرمان سلطاني بعزل محمد علي من ولاية مصر، وتوليته ولاية سلانيك. أظهر محمد على الامتثال للأمر واستعداده للرحيل، إلا أنه تحجج بأن الجند يرفضون رحيله قبل سداد الرواتب المتأخرة. وفي الوقت نفسه، لجأ إلى عمر مكرم نقيب الأشراف الذي كان له دور في توليته الحكم ليشفع له عند السلطان لإيقاف الفرمان. فأرسل علماء مصر وأشرافها رسالة للسلطان، يذكرون فيها محاسن محمد علي وما كان له من يد في دحر المماليك، ويلتمسون منه إبقائه واليًا على مصر. فقبلت الآستانة ذلك على أن يؤدي محمد علي 4,000 كيس، ويرسل ابنه إبراهيم رهينة في الآستانة إلى أن يدفع هذا الفرض.
بعد أن توجه محمد بك الألفي إلى الجيزة، لم يهاجم القاهرة وإنما توجه إلى دمنهور بناءً على اتفاق سري بينه وبين حلفائه الإنجليز، ليتخذها مركزًا لتجميع قواته، فحاصرها إلا أن أهالي المدينة وحاميتها استبسلوا في الدفاع عنها. وعندما بلغ محمد علي أنباء حصار دمنهور، أرسل جزءًا من جيشه لمواجهة قوات محمد بك الألفي، فوصلت إلى الرحمانية في أواخر شهر يوليو من عام 1806، واشتبكوا مع قوات الألفي بالنجيلة وهي قرية بالقرب من الرحمانية، وتعرض جيش محمد علي للمرة الثانية للهزيمة، وانسحبوا إلى منوف. عاد الألفي لحصار دمنهور، إلا أنه لم يبلغ منها منالاً، فقد طال الحصار فتألّب عليه جنوده متذمرين، مما اضطره لفك الحصار والانسحاب إلى الصعيد. وسرعان ما جاءت محمد علي أنباء وفاة عثمان بك البرديسي أحد أمراء مماليك الصعيد، ثم أنباء وفاة الألفي أثناء انسحابه، فاغتبط لذلك وسرعان ما جرد جيشًا وتولى قيادته لمحاربة المماليك في الصعيد. استطاع جيش محمد علي أن يهزم المماليك في أسيوط، ويجليهم عنها، واتخذ منها مقرًا لمعسكره حيث جاءته أنباء الحملة الإنجليزية.


حملة فريزر
في إطار الحرب الإنجليزية العثمانية، وجهت إنجلترا حملة من 5,000 جندي بقيادة الفريق أول فريزر، لاحتلال الإسكندرية لتأمين قاعدة عمليات ضد الدولة العثمانية في البحر المتوسط، كجزء من استراتيجية أكبر ضد التحالف الفرنسي العثماني.
أنزلت الحملة جنودها في شاطئ العجمي في 17 مارس سنة 1807، ثم زحفت القوات لاحتلال الإسكندرية، التي سلمها محافظ المدينة "أمين أغا" إلى القوات البريطانية دون مقاومة، فدخلوها في 21 مارس.
 وهناك بلغتهم أنباء وفاة حليفهم الألفي، فأرسل فريزر إلى خلفاء الألفي في قيادة المماليك ليوافوه بقواتهم إلى الإسكندرية. وفي الوقت ذاته، راسلهم محمد علي ليهادمهم، إلا أنهم خشوا أن يتهموا بالخيانة، فقرروا الانضمام لقوات محمد علي، وإن كانوا يضمرون أن يسوّفوا حتى تتضح نتائج الحملة ليقرروا مع من ينضموا.
 قرر فريزر احتلال رشيد والرحمانية، لقطع طريق التعزيزات التي قد تأتي إلى المدينة عبر نهر النيل.
وفي 31 مارس، أرسل فريزر 1,500 جندي بقيادة اللواء "باتريك ويشوب" لاحتلال رشيد، فاتّفقت حامية المدينة بقيادة "علي بك السلانكلي" والأهالي على استدراج الإنجليز لدخول المدينة دون مقاومة، حتى ما أن دخلوا شوارعها الضيقة، حتى انهالت النار عليهم من الشبابيك وأسقف المنازل، وانسحب من نجا منهم إلى أبو قير والإسكندرية، بعد أن خسر الإنجليز في تلك الواقعة نحو 185 قتيل و 300 جريح، إضافة إلى عدد من الأسرى. أرسلت الحامية الأسرى ورؤوس القتلى إلى القاهرة، وهو ما قوبل باحتفال كبير في القاهرة.

ولأهمية المدينة، أرسل فريزر في 3 أبريل جيشًا آخر قوامه 2,500 جندي بقيادة الفريق أول ويليام ستيوارت، ليستأنف الزحف على المدينة، فضرب عليها في 7 أبريل حصارًا وضربها بالمدافع، وأرسل ستيوارت قوة فاحتلت قرية "الحمّاد" لتطويق رشيد، ومنع وصول الإمدادات للمدينة. وفي 12 أبريل، عاد محمد علي من الصعيد، واطلع على الأخبار وقرر إرسال جيش من 4,000 من المشاة و1,500 من الفرسان بقيادة نائبه "طبوز أوغلي"، لقتال الإنجليز. صمدت المدينة لمدة 13 يومًا، حتى وصل الجيش المصري في 20 أبريل، مما اضطر ستيوارت إلى الانسحاب. كما أرسل رسولاً إلى النقيب "ماكلويد" قائد القوة التي احتلّت الحمّاد يأمره بالانسحاب، إلا أنه لم يتمكن من الوصول. وفي اليوم التالي، حوصرت القوة المؤلفة من 733 جنديًا في الحمّاد. بعد مقاومة عنيفة، وقعت القوة بين قتيل وأسير. فعاد ستيوارت إلى الإسكندرية ببقية قواته، بعد أن فقد أكثر من 900 من رجاله بين قتيل وجريح وأسير.[30]
تابعت قوات محمد علي زحفها نحو الإسكندرية، وحاصروها. وفي 14 سبتمبر سنة 1807، تم عقد صلح بعد مفاوضات بين الطرفين، نص على وقف القتال في غضون 10 أيام، وإطلاق الأسرى الإنجليز، على أن تخلي القوات الإنجليزية المدينة، والتي رحلت إلى صقلية في 25 سبتمبر. وبذلك تخلص محمد علي من واحد من أكبر المخاطر التي كادت تطيح بحكمه في بدايته.
التخلص من الزعامة الشعبية
نقيب الأشراف والزعيم الوطني الكبير الشيخ عمر مكرم، خلعه محمد علي باشا من نقابة الأشراف في محاولة للتخلص من كبار الزعماء الشعبيين وتوطيد حكمه في البلاد.
على الرغم من المساعدات التي قدمتها الزعامة الشعبية بقيادة نقيب الأشراف عمر مكرم، لمحمد علي بدءً بالمناداة به واليًا، ثم التشفع له عند السلطان لإبقائه واليًا على مصر. وبالرغم من الوعود والمنهج الذي اتبعه محمد علي في بداية فترة حكمه مع الزعماء الشعبيين، بوعده بالحكم بالعدل ورضائه بأن تكون لهم سلطة رقابية عليه، إلا أن ذلك لم يدم. بمجرد أن بدء الوضع في الاستقرار النسبي داخليًا، بالتخلص من الألفي وفشل حملة فريزر وهزيمة المماليك وإقصائهم إلى جنوب الصعيد، حتى وجد محمد علي أنه لن تطلق يده في الحكم، حتى يزيح الزعماء الشعبيين. تزامن ذلك مع انقسام علماء الأزهر حول مسألة من يتولى الإشراف على أوقاف الأزهر بين مؤيدي الشيخ عبد الله الشرقاوي ومؤيدي الشيخ "محمد الأمير".
وفي شهر يونيو من عام 1809، فرض محمد علي ضرائب جديدة على الشعب،فهاج الناس ولجأوا إلى عمر مكرم الذي وقف إلي جوار الشعب وتوعد بتحريك الشعب إلي ثورة عارمة ونقل الوشاة الأمر إلى محمد علي. استغل محمد علي محاولة عدد من المشايخ والعلماء للتقرب منه وغيرة بعض الأعيان من منزلة عمر مكرم بين الشعب كالشيخ محمد المهدي والشيخ محمد الدواخلي، فاستمالهم محمد علي بالمال ليوقعا بعمر مكرم. وكان محمد علي قد أعد حسابًا ليرسله إلي الدولة العثمانية يشتمل علي أوجه الصرف، ويثبت أنه صرف مبالغ معينة جباها من البلاد بناء علي أوامر قديمة وأراد يبرهن علي صدق رسالته، فطلب من زعماء المصريين أن يوقعوا علي ذلك الحساب كشهادة منهم على صدق ما جاء به. إلا أن عمر مكرم امتنع عن التوقيع وشكك في محتوياته.
فأرسل يستدعي عمر مكرم إلي مقابلته، فامتنع عمر مكرم، قائلاً "إن كان ولا بد، فاجتمع به في بيت السادات." وجد محمد علي في ذلك إهانة له، فجمع جمعًا من العلماء والزعماء، وأعلن خلع عمر مكرم من نقابة الأشراف وتعيين الشيخ السادات، معللاً السبب أنه أدخل في دفتر الأشراف بعض الأقباط واليهود نظير بعض المال، وأنه كان متواطئًا مع المماليك حين هاجموا القاهرة يوم وفاء النيل عام 1805، ثم أمر بنفيه من القاهرة إلي دمياط. وبنفي عمر مكرم اختفت الزعامة الشعبية الحقيقية من الساحة السياسية، وحل محله مجموعة من المشايخ الذين كان محمد علي قادرًا على السيطرة عليهم إما بالمال أو بالاستقطاعات، وهم الذين سماهم الجبرتي "مشايخ الوقت".
مذبحة القلعة الشهيرة
بالرغم من أن محمد علي استطاع هزيمة المماليك، وإبعادهم إلى جنوب الصعيد. إلا أنه ظل متوجسًا من خطورتهم، لذا لجأ إلى استراتيجية بديلة وهي التظاهر بالمصالحة واستمالتهم بإغداق المال والمناصب والاستقطاعات عليهم، حتى يستدرجهم للعودة إلى القاهرة. كان ذلك بمثابة الطعم الذي ابتلعه الجانب الأكبر من المماليك، الذين استجابوا للدعوة مفضلين حياة الرغد والترف على الحياة القاسية والمطاردة من قبل محمد علي. إلا أن بعض زعماء المماليك مثل إبراهيم بك الكبير وعثمان بك حسن ورجالهم، لم يطمئنوا إلى هذا العرض، وفضلوا أن يبقوا في الصعيد.
في ديسمبر من عام 1807، تلقّى محمد علي أمرًا سلطانيًا من السلطان العثماني مصطفى الرابع، بتجريد حملة لمحاربة الوهابيين الذين سيطروا على الحجاز، مما أفقد العثمانيين السيطرة على الحرمين الشريفين، وبالتالي هدد السلطة الدينية للعثمانيين. إلا أن محمد علي ظل يتحجج بعدم استقرار الأوضاع الداخلية في مصر، بسبب حروبه المستمرة مع المماليك.
بعد تظاهره بالمصالحة مع المماليك ، لم يبق أمام محمد علي ما يمنعه من تجريد تلك الحملة، لذا قرر محمد علي أن يجرّد حملة بقيادة ابنه أحمد طوسون لقتال الوهابيين. كان في تجريد تلك الحملة ورحيل جزء كبير من قوات محمد علي خطر كبير على استقرار أوضاعه في مصر، فوجود المماليك بالقرب من القاهرة، قد يشجعهم على استغلال الفرصة لينقضوا على محمد علي وقواته. لذا لجأ محمد علي إلى الحيلة، فأعلن محمد على عن احتفال في القلعة بمناسبة إلباس ابنه طوسون خلعة قيادة الحملة على الوهابيين، وحدد له الأول من مارس سنة 1811، وأرسل يدعو الأعيان والعلماء والمماليك لحضور الاحتفال. لبى المماليك الدعوة، وما أن انتهى الاحتفال حتى دعاهم محمد علي إلى السير في موكب ابنه. تم الترتيب لجعل مكانهم في وسط الركب، وما أن وصل المماليك إلى طريق صخري منحدر يؤدي إلى باب العزب المقرر أن تخرج منه الحملة، حتى أغلق الباب فتكدست خيولهم بفعل الانحدار، ثم فوجئوا بسيل من الرصاص انطلق من الصخور على جانبي الطريق ومن خلفهم يستهدفهم. راح ضحية تلك المذبحة المعروفة بمذبحة القلعة كل من حضر من المماليك، وعددهم 470 مملوك، ولم ينج من المذبحة سوى مملوك واحد يدعى "أمين بك"،  الذي استطاع أن يقفز من فوق سور القلعة. بعد ذلك أسرع الجنود بمهاجمة بيوت المماليك، والإجهاز على من بقي منهم، وسلب ونهب بيوتهم، بل امتد السلب والنهب إلى البيوت المجاورة، ولم تتوقف تلك الأعمال إلا بنزول محمد علي وكبار رجاله وأولاده في اليوم التالي، وقد قُدّر عدد من قتلوا في تلك الأحداث نحو 1000 مملوك.
بناء الدولة
اتجه محمد علي إلى بناء دولة عصرية على النسق الأوروبي في مصر، واستعان في مشروعاته الاقتصادية والعلمية بخبراء أوروبيين ومنهم بصفة خاصة السان سيمونيون الفرنسيون الذين أمضوا في مصر بضع سنوات في ثلاثينات القرن التاسع عشر وكانوا يدعون إلى إقامة مجتمع نموذجي على أساس الصناعة المعتمدة على العلم الحديث. وكانت أهم دعائم دولته العصرية سياسته التعليمية والتثقيفية الحديثة، حيث كان يؤمن بأنه لن يستطيع أن ينشئ قوة عسكرية على الطراز الأوروبي المتقدم ويزودها بكل التقنيات العصرية وأن يقيم إدارة فعالة واقتصاد مزدهر يدعمها ويحميها إلا بإيجاد تعليم عصري يحل محل التعليم التقليدي.
عسكريًا
أدرك محمد علي أنه لتحقيق أهدافه التوسعية، كان لا بد له من تأسيس قوة عسكرية نظامية حديثة، تكون بمثابة الأداة التي تحقق له تلك الأهداف. قبل وفي بداية عهد محمد علي، كان الجيش مؤلفًا من فرق غير نظامية تميل بطبيعتها إلى الشغب والفوضى، معظمها من الأكراد والألبان والشراكسة، إضافة إلى تلك القوات جماعات من الأعراب الذين كان الولاة يلجأون إليهم كمرتزقة، وكانت أعمالها لا تتعدى أساليب حرب العصابات والكرّ والفرّ. رأى محمد على أن هذا الجيش لا يعتمد عليه، فبذل جهده في إنشاء جيش يضارع الجيوش الأجنبية في قتالها، وقرر أن يستبدل جنوده غير النظامية بجيش على النظام العسكري الحديث.
الجيش
كانت محاولة محمد علي الأولى لتأسيس جيش نظامي عام 1815، عندما عاد من حرب الوهابيين، حيث قرر تدريب عدد من جنود الأرناؤوط الألبان التابعين لفرقة ابنه إسماعيل على النظم العسكرية الحديثة، في مكان خصصه لذلك في بولاق. لم يرق لهؤلاء الجنود ذلك، بسبب طبيعتهم التي تميل إلى الشغب والفوضى، فثاروا على محمد علي وهاجموا قصره ودار بينهم وبين الحرس قتال، استطاع خلاله حرس محمد علي السيطرة على الموقف، إلا أن محمد علي أيقن أنه لا يمكنه الاعتماد على مثل هؤلاء الجند، فأرجأ تنفيذ الفكرة.
العقيد (كولونيل) سيڤ، أو سليمان باشا الفرنساوي، ضابط فرنسي قدم إلى مصر حيث لعب دورًا كبيرًا في تأسيس الجيش النظامي المصري.
لجأ محمد علي مجددًا إلى الحيلة، ففي عام 1820، أنشأ محمد علي مدرسة حربية في أسوان، وألحق بها ألفًا من مماليكه ومماليك كبار أعوانه، ليتم تدريبهم على النظم العسكرية الحديثة على يد ضابط فرنسي يدعى جوزيف سيڤ جاء إلى مصر وعرض خدماته على محمد علي. وبعد ثلاث سنوات من التدريب، نجحت التجربة وتخرجت تلك المجموعة ليكون هؤلاء الضباط النواة التي بدأ بها الجيش النظامي المصري.
بعد ذلك، كان أمام محمد علي مشكلة، أنه وبالتجربة ثبت أن الجنود الأتراك والأكراد والألبان والشراكسة لم يعودوا يصلحون ليكونوا عماد جيشه لعدم تقبلهم للاندراج في جيش نظامي، لذا تحجج بحاجته إليهم في تأمين الثغور، وأرسلهم إلى دمياط ورشيد ليخلي القاهرة، وليطمئنهم أرسل معهم بعض أبنائه كقادة لهم، ثم أرسل إلى ابنه إسماعيل ليمده بعشرين ألفًا من السودانيين ليتم تدريبهم على الجندية في معسكرات أعدها لهم في بني عدي، على أيدي الضباط الجدد. إلا أن التجربة فشلت لتفشي الأمراض بين الجنود السودانيين، لاختلاف المناخ، لذا لم يكن أمامه إلا الاعتماد على المصريين. قاوم الفلاحون في البداية تجنيدهم، لأنهم لم يروا مصلحة لهم فيه، واعتبروه عملاً من أعمال السخرة. ولكن وبمرور الوقت تجاوب الفلاحون مع الوضع الجديد، استشعروا تحت راية الجيش بالكرامة وبحياة مأمونة الملبس والمسكن لا يعانون فيها معاناتهم في الزراعة. وبحلول شهر يونيو من عام 1824، أصبح لدى محمد علي ست كتائب من الجند النظاميين، يتجاوز عددهم 25 ألف جندي، فأمر بانتقالهم إلى القاهرة.
بذلك أصبح لمصر جيش نظامي بدأ يتزايد باطّراد حتى بلغ 169 ألف ضابط وجندي في إحصاء تم عام 1833، وإلى 236 ألف في إحصاء تم عام 1839. كما أنشأ محمد علي ديوانًا عرف بديوان الجهادية لتنظيم شئون الجيش وتأمين احتياجاته من الذخائر والمؤن والأدوية، وتنظيم الرواتب.[113] كانت أول مشاركات هذا الجيش في حرب المورة، التي أظهرت ما وصلت إليه العسكرية المصرية، وهو ما جعل لها شأنًا بين القوى العسكرية المعاصرة، وقد اعتمد عليه إبراهيم باشا في حملته على الشام والأناضول.
الأسطول
عندما شرع محمد علي في حرب الوهّابيين، اقتضت الحاجة إلى بناء سفن لنقل الجنود عبر البحر الأحمر، فشرع في إنشائها في ترسانة بولاق، ثم نقل القطع على ظهور الجمال إلى السويس ليتم تجميعها هناك، وقد اقتصر دور هذا الأسطول في البداية على نقل الإمدادات والتموين طوال سنوات الحملة.[114] وبعد أن أسس الجيش النظامي المصري، وجد أنه من الضروري تأسيس أسطول حربي قوي يعاونه على بسط نفوذه.
اعتمد محمد علي في البداية على شراء السفن من أوروبا، كما تعاقد على بناء سفن أخرى في موانئ أوروبا. ولكن بعد تدمير هذا الأسطول في معركة ناڤارين أمام أساطيل إنجلترا وفرنسا وروسيا الأكثر تطوّرًا، لم ييأس محمد علي وأمر في عام 1829 ببناء "ترسانة الإسكندرية"، التي عهد في إدارتها إلى مهندس فرنسي اسمه سريزي. قامت الترسانة بمهمة إعادة بناء الأسطول على الأنماط الأوروبية الحديثة، وقد بلغ عدد السفن الحربية التي صنعت في تلك الترسانة حتى عام 1837، 28 سفينة حربية من بينها 10 سفن كبيرة كل منها مسلح بمائة مدفع، فاستغنت مصر عن شراء السفن من الخارج. ومن شدة اهتمام محمد على بهذه الترسانة كان يزورها باستمرار، وكان يستحث العمال على العمل، ويحضر حفلات تدشين السفن الجديدة.
التعليم العسكري
توسّع محمد علي في التعليم العسكري في مصر، فبعد أن أمر ببناء مدرسة الضباط في أسوان ومدرسة الجند في بني عدي، أمر بتأسيس مدارس أخرى في فرشوط والنخيلة وجرجا. كما أسس مدرسة إعدادية حربية بقصر العيني لتجهيز التلاميذ لدخول المدارس الحربية، يدرس بها نحو 500 تلميذ، لكنها نقلت بعد ذلك إلى أبي زعبل حيث أصبحت تسع نحو 1200 تلميذ.
 تعليميًا
أدرك محمد علي أنه لكي تنهض دولته، يجب عليه أن يؤسس منظومة تعليمية، تكون العماد الذي يعتمد عليه لتوفير الكفاءات البشرية التي تدير هيئات دولته الحديثة وجيشها القوي. لذا فقد بدأ محمد علي بإرسال طائفة من الطلبة الأزهريين إلى أوروبا للدراسة في مجالات عدة، ليكونوا النواة لبدأ تلك النهضة العلمية. كما أسس المدارس الابتدائية والعليا، لإعداد أجيال متعاقبة من المتعلمين الذين تعتمد عليهم دولته الحديثة.
 عمرانيًا
اهتم محمد علي ببعض النواحي العمرانية التي تخدم دولته الناشئة، فأسس المدن مثل الخرطوم وكسلا، وأقام القلاع للدفاع عن الثغور وعاصمة البلاد،[ كما شيّد فنار لإرشاد السفن في رأس التين بالإسكندرية. وعني أيضًا ببناء القصور ودور الحكومة، وأنشأ دفترخانة لحفظ الوثائق الحكومية، ودار للآثار بعدما أصدر أمرًا بمنع خروج الآثار من مصر، وعبّد الطرق التجارية ونظّم حركة البريد وجعل له محطات لإراحة الجياد.
اجتماعيًا
تدرّج المجتمع في عهد محمد علي إلى عدة طبقات اجتماعية أعلاها الطبقة الحاكمة التي ضمت أسرة محمد علي وكبار رجاله وموظفي الدولة من المتعلمين في المدارس والمبتعثين للخارج، ثم طبقة العلماء والأعيان فالمزارعين وعمال المصانع والعربان والرقيق من اليونانيين الذين أسروا في حرب المورة والجواري الشركسيات والحبشيات والسودانيات اللاتي كن يخدمن في بيوت الأثرياء. وقد ارتفع تعداد السكان في عهد محمد علي من 2,514,400 نسمة عام 1823، إلى 4,476,440 نسمة عام 1845. وكان محمد علي باشا متسامحًا واسع الأفق في الشؤون الدينية، فقرّب إليه المسيحيين كما المسلمين، واستعان بهم في حكمه وأدخلهم في حاشيته.
سنواته الأخيرة
بعد انسحاب الجنود المصرية من بلاد الشام وفصل الأخيرة عن مصر وعودتها لربوع الدولة العثمانية بدعم دولي كبير، وبعدما تبيّن أن فرنسا ليست مستعدة لخوض حرب في سبيل مصر أو واليها، أصيب محمد علي باشا بحالة من جنون الارتياب، وأخذ يُصبح مشوش التفكير شيءًا فشيئًا، ويُعاني من صعوبة في التذكّر، ومن غير المؤكد إن كان هذا نتيجة جهده الذهني خلال حرب الشام، أو حالة طبيعية نتيجة تقدمه بالسن، أو كان تأثير نترات الفضة التي نصحه أطباؤه بتعاطيها منذ زمن لعلاج نفسه من مرض الزحار.
ما زاد حالة محمد علي باشا سوءًا كانت المصائب التي حلّت بمصر وعليه شخصيًا في أواخر عمره، ففي سنة 1844 تبيّن لرئيس الديوان المالي شريف باشا، أن ديون الدولة المصرية قد بلغت 80 مليون فرنك، وأن المتأخرات الضريبية قد بلغت 14,081,500 قرشًا من الضريبة الإجمالية المقدرة بحوالي 75,227,500 قرش. وتخوّف الباشا من عرض الموضوع على محمد علي لما قد يكون له من وقع شديد عليه، فعرض المسألة على إبراهيم باشا الذي اقترح أن تقوم أحب شقيقاته إلى والده بنقل الخبر، إلا أن ذلك لم يكن له الأثر المرجو، فقد فاق غضب محمد علي ما توقعه الجميع، ولم يهدأ باله ويستكين خاطره إلا بعد مرور ستة أيام.
بعد عام من هذه الحادثة، أصيب إبراهيم باشا بالسل، واشتد عليه داء المفاصل، وأخذ يبصق دمًا عند السعال، فزاد ذلك من هموم محمد علي وحزنه، فأرسل ولده إلى إيطاليا للعلاج، على الرغم من أنه أدرك في قرارة نفسه أن ولده في عداد الأموات، ويتضح ذلك جليًا مما قاله للسلطان عندما زار الآستانة في سنة 1846، حيث عبّر عن خوفه من ضياع إنجازاته بسبب عدم كفاءة أحفاده لتحمّل مسؤولية البلاد والعباد، فقال: «ولدي عجوزٌ عليل، وعبّاس متراخ كسول، من عساه يحكم مصر الآن سوى الأولاد، وكيف لهؤلاء أن يحفظوها؟» بعد ذلك عاد محمد علي إلى مصر وبقي واليًا عليها حتى اشتدت عليه الشيخوخة، وبحلول عام 1848 كان قد أصيب بالخرف وأصبح توليه عرش الدولة أمرًا مستحيلاً، فعزله أبناؤه وتولّى إبراهيم باشا إدارة الدولة.
ضريحه.
حكم إبراهيم باشا مصر طيلة 6 أشهر فقط، قبل أن يتمكن منه المرض وتوافيه المنيّة في 10 نوفمبر سنة 1848، فخلفه ابن أخيه طوسون، عبّاس حلمي. وبحلول هذا الوقت كان محمد علي باشا يُعاني من المرض أيضًا، وكان قد بلغ من الخرف حدًا لا يمكنه أن يستوعب خبر وفاة ابنه إبراهيم، فلم يُبلّغ بذلك. عاش محمد علي بضعة شهور بعد وفاة ولده، وتوفي في قصر رأس التين بالإسكندرية بتاريخ 2 أغسطس سنة 1849م، الموافق فيه 13 رمضان سنة 1265هـ، فنُقل جثمانه إلى القاهرة حيث دُفن في الجامع الذي كان قد بناه قبل زمن في قلعة المدينة. كانت جنازة محمد علي باشا معتدلة الحضور والمراسم، ويرجع ذلك بشكل كبير إلى الوالي عبّاس حلمي الذي طالما اختلف في الآراء والمشارب مع جدّه وعمّه إبراهيم، وكان يحمل له شيءًا من الضغينة.
...إن تعلّق وتبجيل جميع طبقات المجتمع المصري لإسم محمد علي لهو مأتم أعظم شأنًا وأكثر شرفًا من أي جنازة أخرى يُقدمها له خلفاؤه. يتحدث الأهالي الكبار ممن يتذكر عن الفوضى والظلم الذي غرقت به البلاد قبل وصوله؛ ويُقارن الشباب حكمه بحكم خلفه المتقلّب والمتذبذب؛ كل طبقات الشعب من ترك وعرب، لا تتردد في قول أن مصر المزدهرة المتحضرة ماتت مع محمد علي...في واقع الأمر يا سيدي، لا يمكننا ولا يمكن لأحد أن ينكر، أن محمد علي، على الرغم من كل أخطائه، كان رجلاً عظيم الشأن.


ملحق رمضان ....بديعة مصابني

ولدت عام 1892 لعائلة مارونية لبنانية
"بديعة مصابني" ملكة المسارح الاستعراضية
·       نزلت الي ميدان العمل وهي صغيرة فعملت في بعض حرف خياطة الملابس
·       في1910 قررت ترك لبنان والمجيء إلي عاصمة الفن والأدب القاهرة
·       ذهبت الى جورج أبيض وعملت معه في مسرحه فترة قصيرة
·       فاقت بديعة كل بطلات الشامي برقصها وغنائها وتمثيلها لتكون هي البطلة
·       أصبحت بطلة مسرح الريحاني فقدمها في عشرات المسرحيات التي اشتهر بها
·       تزوجت الريحاني وعاشا زمنا قصيرا في وفاق ثم دب الخلاف وانتهي بالطلاق
·       كانت صارمة قوية الشخصية إدارية من الطراز الأول
·       عام 1949 طالبت الضرائب بديعة بضرائب عن مكاسبها فقررت الهروب بأموالها من مصر
·       اشترت مزرعة في شتورة بلبنان وشيدت بها مزرعة دواجن وابتعدت عن الفن تماما
·       صارت صاحبة مطعمين في شتورة التي حفظت لها مكانة وذاكرة لا تنسى
·       كانت تأمل دوماً عودة أيام العز والشهرة في مصر
·       تذكر أم عمر أن غرباء كانوا يقصدون شتورة لرؤية بديعة و كانت تستقبلهم بضحكة حلوة
·       أمضت بديعة 24 سنة في شتورة قبل أن تودع الحياة الصاخبة وتدفن في منطقة البترون
·       ببا عزالدين اسمها الحقيقي فاطمة أما كلمة ببا فقد جاءت تدليلا لها
·       جاءت ببا الي مصر وانضمت الي نجمات الرقص عند بديعة تحية كاريوكا وسامية جمال
·       عندما هربت بديعة مصابني من مصر حلت ببا عزالدين مكانها في كازينو أوبرا
·       ازدهرت فرقة ببا وأصبحت اكبر الفرق الاستعراضية في مصر
لقيت حتفها في حادث مأساوي انقلبت بها السيارة وهي في طريق عودتها للقاهرة
إعداد : ياسر صديق
كان شارع عماد الدين في عشرينات وثلاثينات وأربعينات القرن الماضي يموج بعشرات الفرق المسرحية، علي الكسار ونجيب الريحاني ورمسيس يوسف وهبي وعبدالرحمن رشدي وفاطمة رشدي وعزيز عيد وجورج أبيض وغيرهم، كما كانت هناك عشرات من صالات الرقص التي تديرها أجنبيات مثل، صالة ديناليسكا في شارع علي الكسار حاليا بجوار مسرح الريحاني ـ وكازينو دي باري الذي كانت تديره مدام مارسيل وهو مكان سينما ريتس بشارع عماد الدين المهجورة حاليا، وكانت هناك صالات تديرها مصريات مثل، سعاد محاسن وماري منصور ورتيبة وأنصاف رشدي، والاولي كانت صالتها مكان مسرح محمد فريد الذي أغلق وهو في شارع عماد الدين ورتيبة وأنصاف كانت صالتهما مكان محل بيع المصنوعات المصرية حاليا وموقعه في تقاطع شارعي عماد الدين بالألفي، أما أكبر صالات الفنانات العربيات فقد كانت صالة بديعة مصابني وكانت الصالة بشارع عماد الدين مكان سينما ليدو حاليا.
وبديعة مصابني فنانة لبنانية وصلت القاهرة لأول مرة سنة 1910 ثم كانت حكايتها حكاية أقرب إلي الأساطير أو الروايات الخيالية وهي تستحق أن تروي، ولنبدأ القصة من البداية.
في أواخر القرن الـ19 وعلي وجه التحديد في سنة 1892 أطلت علي الدنيا طفلة ستملأ الدنيا فنا وطربا وتمثيلا ورقصا، ففي تلك السنة وفي مدينة بيروت، جاءت هذه الطفلة، بديعة من عائلة مصابني المسيحية المارونية.
شبت الطفلة عن الطوق وأصبحت فتاة رائعة الجمال رشيقة القوام خفيفة الروح ذكية الفؤاد شغلت شباب الحي بجمالها ورشاقتها، أحست هي بقيمة جمالها فأخذت تتيه دلالا حتي وقعت في حب شاب، ولنصمت عن بقية قصة هذا الحب الذي ذكرته هي في مذكراتها الشخصية، لنعيش معها حياتها الفنية.
كان والدها تاجرا ميسور الحال لكن الدنيا لا تدوم علي حال، اضطرتها الظروف الي ان تنزل الي ميدان العمل وهي صغيرة فعملت في بعض حرف خياطة الملابس.

إلى القاهرة
في سنة 1910 قررت ترك لبنان والمجيء إلي عاصمة الفن والأدب، القاهرة وهي لم تزل في أول الصبا، وصلت مصر ولم تكن تعرف فيها أحدا وتمشت في شوارعها حتي قادتها قدماها وكانت معها أمها الي حديقة الأزبكية، وجلست في الحديقة تفكر ماذا بعد؟ وعلينا أن نتذكر هنا أمرين، الأول أن بديعة لم تكن غريبة عن مصر فقد كانت مصر وبلاد الشام وغيرهما، بلدا واحدا يتبع الخلافة العثمانية فلم تكن هناك معوقات لأن يقيم المصري في لبنان، ويقيم اللبناني في مصر.
الأمر الثاني الذي نريد ذكره، أن حديقة الأزبكية في تلك الأثناء كانت تموج بالصالات التي تقدم الفن المصري وكان أشهرها صالة سانتي التي كانت تغني فيها واحدة من أشهر مطربات مصر في ذلك الزمن: توحيدة، وهي نفس الصالة التي شهدت بداية شهرة سيدة الغناء المصري والعربي، أم كلثوم، وفي حديقة الأزبكية ايضا، كان هناك كشك الموسيقي الذي تعزف فيه موسيقي الجيش أعظم المؤلفات الموسيقية العالمية.
جلست إذن بديعة وأمها، كما ذكرت في مذكراتها تتأمل هذا الجو الرائع المحيط بها وهي فنانة بالسليقة، تعشق كل ما هو جميل في الحياة، وما لبثت بعد تفكير قصير أن فكرت في بلدياتها جورج أبيض الذي كان قد شغفه المسرح حبا، فكون فرقة تمثيلية يقدم فيها بعض الأعمال، فذهبت اليه وعملت معه في مسرحه فترة قصيرة، ثم انضمت بعد ذلك الي فرقة أحمد الشامي وكان فنانا مصريا، كون فرقة تمثيلية يجوب بها مدن ومراكز مصر يقدم مسرحيات فيها من الغناء والرقص ما يرضي ذوق المتفرج الشرقي، وفاقت بديعة مصابني كل بطلات الشامي برقصها وغنائها وتمثيلها لتكون هي البطلة.

إلي بيروت ثم القاهرة
كان نجاح بديعة مع فرقة أحمد الشامي كبيرا ومع ذلك تركت الفرقة وعادت إلي بيروت وفي لبنان واصلت مشوارها الفني بنجاح غنت ورقصت وأصبح لها اسمها في بلدها.
ثم عادت الي مصر مرة أخري، وفي هذه المرة أصبحت بطلة مسرح الريحاني الذي قدمها في عشرات المسرحيات الغنائية التي اشتهر بها مسرحه ومسرح علي الكسار في منتصف القرن العشرين عندما اثري الموسيقيون المصريون هذا المسرح بألحان رائعة ومنهم فنان الشعب سيد درويش والعبقري كامل الخلعي وإبراهيم رمزي وداود حسني ومحمد القصبجي وزكريا أحمد وغيرهم، المهم، أن بديعة في هذه الفترة الزمنية قدمت مع الريحاني عدة أعمال ناجحة منها، الشاطر حسن و الليالي الملاح و أيام العز و مجلس الأنس و ريا وسكينة و البرنسيسة وغيرها، وكانت قد تزوجت نجيب الريحاني وعاشا زمنا قصيرا في وفاق ثم دب الخلاف وانتهي بالطلاق.
وقد قست في حكمها علي الريحاني في حديث إذاعي أجري معها قبل وفاتها عن سبب هذا الفراق أو الطلاق.
ناظرة مدرسة الفن
عندما تم الطلاق بينها وبين نجيب الريحاني سنة 1925، عرض عليها صديق لها أن تعود إلي الرقص والغناء مرة أخري، بعيدا عن تمثيل الأوبريتات، وبالفعل أجر لها صالة في عماد الدين، وبدأت في تكوين فرقتها الغنائية الراقصة التي ولدت عملاقة بالفعل، فقد ضمت اليها أشهر مطربي ذلك الزمن، مثل فاطمة سري التي لحن لها صفر بك علي وكيل معمد الموسيقي العربية.
كما انضم للفرقة الفنانة الناشئة في ذلك الوقت والمطربة الكبيرة بعد ذلك نجاة علي واشتهرت في صالة بديعة .
كما انضم للفرقة الشيخ سيد الصفتي، الذي كان يجيد غناء الأدوار التي صاغها الرواد محمد عثمان وعبده الحامولي وإبراهيم القباني وغيرهم، ومن أهم الفنانات اللاتي نجحت بديعة في ضمهن لفرقتها الوليدة، مطربة القطرين فتحية أحمد ـ ولا ينسي المخضرمون أن فتحية كانت المنافسة الأولي لأم كلثوم عند ظهورهما معا:
وبجوار هؤلاء، استعانت بديعة في صالتها بالراقصين والراقصات الأجانب الذين كانوا يقدمون فصولا من الباليهات العالمية.
ومن لبنان جاءت بالراقصة الشهيرة حينئذ في بلدها ببا عز الدين واختها شوشو عز الدين وايضا عديلة التي لم تعمل بالرقص، كما جاءت بالمطربة رائعة الصوت ماري جبران التي كانت تجيد الموشحات والأدوار المصرية وكانت جميلة الوجه جدا لكنها في نفس الوقت زائدة الوزن جدا ولعل هذا كان سببا في عدم ذيوع شهرتها.

المدرسة
وغطت شهرة صالة بديعة علي كل صالات ذلك العصر، فكان هذا سببا في جذب العديد من الراقصات والمطربية والمطربات الي صالتها، فتركت تحية كاريوكا صالة سعاد محاسن من أجل بديعة وفريد الأطرش واسمهان تركا ماري منصور من أجلها وهجرت زينات صدقي محلات الإسكندرية كراقصة وانضمت لبديعة قبل أن تعتزل الرقص وتصبح من نجمات الكوميديا، وتزاحم في الصالة العديد من المطربين الذين أصبح لهم باع طويل في عالم الفن مثل إبراهيم حمودة الذي كان مطرب الفرقة الأول ثم جاء محمد فوزي ومحمود الشريف الذي كان يغني ويلحن في الصالة وتولي قيادة الفرقة الموسيقية واحد من ألمع الملحنين وعازفي القانون في ذلك الوقت وهو أحمد شريف ومعه زوجته سيدة حسن مطربة الأفراح كما قدم لها المطرب الناشئ انذاك أحمد عبدالقادر الذي اشتهرت له أغنية وحوي يا وحوي في نفس ذلك الزمن، وقدمت أساطير فن المنولوج الفكاهي وكان أشهرهم يومها موسي حلمي .
والدويتو الفكاهي، حسين ونعمات المليجي وإسماعيل ياسين ويزولينا وثريا حلمي وشقيقتها المطربة ليلي حلمي، وكان الملحن الأول للفرقة الفنان عزت الجاهلي وكان والده الممثل عبد العزيز الجاهلي يمثل بعض المسرحيات وفيها تعرف علي بديعة.
وكانت بديعة تقدم بجوار الغناء الفردي والرقصات والمنولوغيات اسكتشات يشترك فيها كل أفراد الفرقة بالغناء والرقص وكانت هي بطلة مثل هذه الاستعراضات وكان هناك العديد من مشاهير المؤلفين يعملون معها، مثل، حسين حلمي المانسترلي وأبو السعود الأبياري ومحمود فهمي إبراهيم، والأخير كان أول من قدم لها منولوغ تقليد الفنانين وكان يكتب لها الاستكتشات الغنائية وعن طريقها تعرف علي فريد الأطرش وكتب له العديد من الأغاني، مثل (وحداني، ونورا نورا، وزينة زينة، ويا مقبل يوم وليلة) وغيرها.
وغير هؤلاء كثير كانوا في صالة بديعة التي كانت بالفعل مدرسة للفن، فقد كانت صارمة قوية الشخصية إدارية من الطراز الأول.

أوبرا والجلاء
ولأنها طموحة فقد شيدت صالة حديثة وعلي أحدث طراز في ذلك الوقت في ميدان الأوبرا وكان يطل علي دار الأوبرا المصرية التي بناها الخديوي اسماعيل واحترقت.
وفي هذا المكان الحديث قامت بديعة بعمل أول مسرح دائري بحيث يري كل المشاهدين ما يجري علي المسرح وهم جالسون في أي مكان بالصالة وهذا البناء باعته بديعة إلي تلميذتها ببا عز الدين قبل أن تهرب من مصر بسبب مشاكلها مع الضرائب، وهذه الصالة المميزة هدمت أخيرا وشيد مكانها مبني تجاري.
وفي الصيف كانت بديعة تنتقل بنشاطها الي كازينو بديعة، مكان شيراتون القاهرة الآن حتي أصبح هذا المكان يشتهر باسمها وكانت العامة تسمي الكوبري الذي يوصل اليها، كوبري بديعة، وكان يتولي إدارته الفنان الشعبي سعد الله المصري.
ومما يذكر أن بديعة كانت علي صلة برجال الاحتلال الانكليزي وكانت تقدم أعمالا فنية ضد النازية والمحور.
حظها في السينما
لم يكن لها حظ في السينما ولم يكن لها نفس التوهج الذي نالته في عالم الاستعراض، قدمت عدة أدوار في السينما مع بنت بلدها ماري كويني أهمها فيلم أم السعد الذي أخرجه أحمد جلال وقامت ببطولة فيلم ملكة المسارح من اخراج الايطالي اريو خولبي وبطولة مختار عثمان وبشارة واكيم لكن الفيلم سقط سقوطا ذريعا فابتعدت عن السينما.
لكنها قامت بتمثيل عدة أفلام تسجيلية دعاية لشركات بنك مصر وخاصة شركة غزل المحلة، وأذكر أن فيلم المحلة قدمت فيه بديعة دور فلاحة تتعارك مع زميلتها التي تقوم بتمزيق جلبابها، ثم تقوم فلاحة أخري باهدائها جلبابا من صنع المحلة أحسن بكثير من ذلك الذي مُزق، فتغني وترقص مع المجموعة.
ومما يذكر في هذا الشأن أن سيدة حسن مطربة الأفراح غنت ايضا لشركة غزل المحلة وفي نفس السنة.
وكان الاقتصادي الكبير طلعت حرب باشا يبذل كل جهده من أجل تمصير الصناعة المصرية ويقوم بدعاية لكل شركاته وبكل الوسائل، حتي نجح في اقامة صروح صناعية عظيمة في مصر.


في سنة 1949، طالبت مصلحة الضرائب بديعة مصابني بالضرائب علي مكاسبها طوال فترة عملها بمصر، حدثت مشاكل بسبب هذه الضرائب فرتبت بديعة حياتها علي الهروب بأموالها من مصر، وبالفعل استطاعت عن طريق اصدقائها أن تهرب الي لبنان وهناك اشترت مزرعة في شتورة وشيدت بها مزرعة دواجن وابتعدت عن الفن تماما حتي انتقلت إلي رحمة الله يوم 23 تموز/ يوليو 1976.
على طريق الشام الدولية، وتحديداً في شتورة، صفحة من حياة بديعة مصابني الراقصة وراعية النجمات الموهوبات. حين ينبسط الطريق مع سهل البقاع، يطل اسم بديعة مصابني مرتفعاً فوق مطعم صغير، وعلى بعد أمتار في بلدة جديتا مطعم آخر باسمها أيضاً، وعنهما يحفظ المسنون في تلك المنطقة قصصاً كثيرة، يعرفون الفنانة الكبيرة من خلالها. يروون حكايات بديعة مصابني أيام العز في القاهرة و “خبريات” عن الأيام الأخيرة للراقصة الأشهر في العالم العربي خلال النصف الأول من القرن الماضي. وديعة جورج مصابني التي يحفظ التاريخ حتى اليوم اسمها “المعلق” على المحلين اللذين كانت قد افتتحتهما على الطريق الدولية لبيع السندويشات.
الراقصة التي صنعت جزءاً من تاريخ الفن المصري لا يتذكرها الكبار في شتورة بما عاشته في صباها، لا يحكون إلا عن السنوات الأخيرة، لا يروون أن “ملكة الليل” صنعت نجمات الرقص الشرقي كتحية كاريوكا، وأقامت علاقات مع مسؤولين ورجال سياسة في مصر في الأربعينيات من القرن الماضي.

صاحبة أكبر ملهى في ميدان الأوبرا في القاهرة، صارت صاحبة مطعمين في شتورة التي حفظت لها مكانة وذاكرة لا تنسى. “هربت” بديعة من مصر إلى سوريا متنكرة بلباس ضابط جيش مصري بعدما أفلست وتراكمت ديونها وفق ما تؤكد معظم الكتابات التي أرّخت حياتها، فيما يقول البعض إنها خافت من مضايقات الملك فاروق لها. وقد دخلت إلى لبنان عن طريق سوريا واستقرت في مدينة شتورة سنة 1950، وأسست محلها التجاري الأول سنة 1952 في شتورة وبنت أيضاً منزلها المعروف اليوم بفيلا “عقل” التي جرفتها “الجرافات” قبل أسابيع. جميلة الحاج المعروفة بأم عمر (59 عاماً) تروي أنها كانت تمر صباح كل يوم مع جدتها وهي طفلة من أمام “محل” بديعة مصابني في شتورة، وكانت تراها جالسة على كرسي أمامه، وتقول: “كنت أرى الست بديعة بعزها وأناقتها، وكان الكبار يقولون لنا هذه هي بديعة الراقصة”.
وتتذكر أم عمر أن العصا كانت دائماً بيد مصابني، ولم تفارقها طوال أيامها الأخيرة. ويحكي إلياس سعادة (70 عاماً) من بلدة جديتا أنه كان يمضي معظم أوقاته جالساً مع السيدة وديعة، أو الست بديعة كما أصبح اسمها الفني لاحقاً «كانت امرأة عظيمة معروفة بكرمها وطيبتها، وكانت تعطي المال للمحتاجين والفقراء، وكانت تتمتع بشخصية قوية، وتطلب دوماً من عمال محلها الاستراحة والجلوس معها والتمتع بنفث دخان السجائر والنرجيلة والاستماع إلى الموسيقى والغناء”.
كانت بديعة مصابني تتألم خلال إقامتها في شتورة، ولكنها ــ كما يقول سعادة ــ كانت “تأمل دوماً عودة أيام العز والشهرة في مصر، وكانت تبدو سعيدة في نظر جيرانها وأصدقائها رغم الحزن الكبير الذي سيطر عليها”.
كانت بديعة مصابني خلال جلوسها أمام محلها التجاري في شتورة محط أنظار كل المارة والزبائن. فاسمها ووجودها في “المحل” جعلاه يتمتع بشهرة كبيرة ويحقق نجاحاً تجارياً.
وتقول حنّة الحلبي (75 عاماً) إن وجود بديعة في شتورة ــ جديتا أعطى المنطقة “تاريخا مميزاً”، وإنها كانت “امرأة بسيطة وكريمة... ولهجتها المصرية كانت قريبة من القلب”.
صار عمر “محل” بديعة الأول أكثر من 50 سنة، وما زال الآلاف يقصدونه ليتذكروا هذه السيدة التي صنعت مجدها بسحر رقصها وجمالها الرائع، وتذكر أم عمر أن “غرباء كانوا يقصدون شتورة لرؤية الست بديعة، وهي كانت تستقبلهم بضحكة حلوة”.
أمضت بديعة مصابني 24 سنة في شتورة قبل أن تودع الحياة الصاخبة وتدفن في منطقة البترون. ويقول إلياس سعادة إنها لم تشعر يوماً بالألم ولم تعان أمراضاً ومشاكل صحية و “قبل أن تموت وقعت على الدرج وأدخلناها إلى مستشفى تل شيحا في زحلة، ومن ثم فارقت الحياة، وكانت تبلغ من العمر حوالى 82 سنة ”.
ببا عزالدين وارثة بديعة لمعت كشهاب وانطفأت سريعاً
 ببا عزالدين، اسمها الحقيقي فاطمة أما كلمة ببا فقد جاءت تدليلا لها، هي فنانة لبنانية الأصل كانت ترقص في ملاهي الشام.
أعجبت بها بديعة مصابني وهي في لبنان وطلبت منها العمل معها في القاهرة.
جاءت ببا الي مصر وانضمت الي نجمات الرقص عند بديعة، تحية كاريوكا وسامية جمال وزوزو محمد واصبحت واحدة من أشهر راقصات مصر، واختيرت بطلة لعدة افلام أيام نهضة الفيلم الاستعراضي الغنائي الراقص في مصر، منتصف أربعينات القرن الماضي.
عندما هربت بديعة مصابني من مصر حلت ببا عزالدين مكانها في كازينو أوبرا وأصبحت هي مالكة هذا المكان الذي كان قبله عشاق الفن الاستعراضي.
وحكي المرحوم محمود فهمي ابراهيم الذي كان من كتاب ومؤلفي مسرح بديعة، انه في يوم كان يجلس في تراس، الكازينو الذي يطل علي ميدان الأوبرا، وفجأة وجد بديعة وببا تجلسان بجواره، وكانت بديعة تحمل بين يديها حقيبة صغيرة حريصة عليها أشد الحرص، وجلس كلب بديعة بين الراقصتين، وفجأة طلبت بديعة من الكلب وكان ذكيا أن يجلس تحت الطاولة التي كانت تجلس عليها ثم استأذنت وخرجت متسللة خشية أن يتبعها كلبها، جلسنا أنا وببا في انتظارها، لكن الانتظار طال، وعرفنا في اليوم التالي انها كانت تطير في الجو في طريقها الي لبنان ونحن في الانتظار دون ان ندري شيئا.
يقول محمود فهمي ابراهيم ـ كانت بديعة وهي معنا تنتظر شارة من صديقها الذي قام بتهريبها من مصر، وكانت كل أموالها في الحقيبة التي كانت حريصة عليها.
بعد الهروب اصبحت ببا هي صاحبة الكازينو استدعت ببا عزالدين اشقاءها وشقيقاتها من لبنان ليكونوا معها في ادارة الكازينو. احترفت شوشو شقيقتها الرقص معها اما الأخت الثانية عديلة فقد اكتفت بأن تكون من طاقم الادارة في الكازينو.
تزوجت شوشو المطرب محمد عبدالمطلب الذي كان يعمل مع ببا وتزوجت عديلة المطرب سيد فوزي وكان هو الآخر من مطربي فرقتها، وكان سيد فوزي من المطربين القدامي وكان الموسيقار سيد درويش يعتمد عليه وزميله حامد مرسي في حفظ جمله الموسيقية لأنه ـ كما قال لي قبل رحيله رحمه الله، انه وحامد كانا يصطحبان سيد درويش في كل مكان يسهر به وعندما يجد جملة موسيقية يقوم بغنائها ويطلب منها حفظها وفي اليوم التالي يستعيدها منها فقد كانت النوتة الموسيقية لم تعرف طريقها اليهم بعد.
المهم، ازدهرت فرقة ببا عزالدين وأصبحت من اكبر الفرق الاستعراضية في مصر، وكانت المنافسة قوية بينها وبين كل من صفية حلمي التي استقلت بصالتها في شارع جانبي خلف سينما ستديو مصر "ريتس المهجورة الآن، وأطلقت عليه كازينو الترف وفتحية محمود كانت صالتها في شارع الألفي باسم شهر زاد وهو لا يزال موجودا حتي الآن وان كان ليس له شهرة أيام زمان.
نجوم الفن في صالتها
ازدهرت فرقة ببا عزالدين كما قلنا وضمت العديد من فناني ذلك الزمن مثل، ثريا حلمي واسماعيل ياسين وليلي حلمي وغيرهم وكانت قد اصبحت نجمة كبيرة في عالمي الاستعراض والسينما.
وفجأة، لقيت حتفها في حادث مأساوي انقلبت بها السيارة وهي في طريق عودتها للقاهرة من الاسكندرية، وقيل يومها الكثير من الاشاعات قيل: ان الحادث دبرته جهة أمنية تابعة للقصر الملكي ولم تكن هي المقصودة، لكن رجل سياسة من الطليعة الوفدية كان ضد الملك فاروق، وكانت سيارته تشبه تماما سيارة الفنانة ببا ومن نفس ماركتها، وتناولت الألسنة هذا الحادث بشيء من التفاصيل لا داعي لذكرها هنا، لكن من الأصوب أن نقول، ان الشاب الذي ربطت الاشاعات بين موت ببا لتشابه السيارات قتل وبنفس الطريقة وهو في طريقه الي بني سويف للمرافعة في أحد القضايا، فقد كان من أشهر رجال المحاماة رغم صغر سنه وكان شاعرا وحاصلا علي درجة الدكتوراه ونائبا في مجلس النواب عن حزب الوفد القديم، طبعا.
أفلامها
جذبت شهرة ببا في عالم الرقص مخرجي السينما في أربعينات القرن الماضي، فاختاروها لتمثيل عدة أفلام، نذكر منها علي سبيل المثال، البيه المزيف بطولتها مع بدر لاما واخراج ابراهيم لاما و ليلة الأنس بطولتها مع الفنان عبدالغني السيد اخراج نيازي مصطفي و جحا والسبع بنات مع سراج منير واخراج فؤاد الجرايرلي، كدب في كدب مع أنور وجدي وميمي شكيب وبشارة واكيم اخراج توجو مزراحي.
أحلاهم اخراج استيفان روستي وبطولتها مع سامية جمال وليلي فوزي وجمال ودلال بطول فريد الأطرش واخراج ستيفان روستي ومعها، ليلي فوزي.
وكانت قد اتفقـــــت علي تمثيل عدة أفلام اخري لكن القدر لم يهملها وانطفأ نجمها بسرعة بعد ان كانت قد لمعت مثل الشهاب.
شرح الصورة: