الأحد، 27 نوفمبر 2011

دماء على أرض الميدان

على أرض التحرير...قابلته....رامز جبرائيل
الإسم:رامز جبرائيل
الجنسية:مصري
الديانة:مسيحي
السن:23 عاما
الكنية: ميزو "كما كان يحب أن ينادونه"
محل الإقامة:مدينة الفيوم
التاريخ:18 نوفمبر 2011
في هذا اليوم نزلت إلى الميدان تتفحص عيوني الوجوه بشوق بالغ...كنت قد وصلت لتوي إلى مصر عائدا من غربتي أشتاق لكل ما هو مصري...ورغم أن تلك البلدة الخليجية الصغيرة تكتظ بألاف المصريين إلا أنني دوما كنت أرى وما زلت أرى أن الغربة تفسد سمات الشخصية المصرية وتمسخ ملامحها جراء البعد عن الوطن واللهث الدئوب وراء المال، لذا بمجرد وصولي إلى مصر نزلت إلى الميدان الذي بات يغلي جراء الأحداث التي يعيشها كل المصريين ، كنت الوحيد الذي يصطدم بالناس فيبتسم لهم محييا أو معتذرا وكأن نفسي تاقت إلى ذلك الإلتحام والزحام الذي إبتعدت عنه طويلا رغما عني.
كان الأمر معقد وخطير للغاية دخان القنابل يصل إلى أبعد مدى فيزكم الأنوف ويشل رئتيك فلا تملك إلى أن تعدو مبتعدا أو ترتدي كمامة أو تسعل باكيا حتى تفقد وعيك ، وكل هذا كان يبدو لي عظيما وشريفا ونبيلا ، كنت أفتقد ذلك التواجد إبان ثورة 25 يناير الطاهرة ، كنت حيث أنا مغتربا أتابع ما يحدث في مصر تكاد الغيرة على بلدي تقتلني...وكان معي قلبا أخر حينذ يشاركني غيرتي ويشد على يدي مصبرا وأربت على كتفه مواسيا.
في زحمة الميدان وتخبطه والجري هنا وهناك وقفت مستندا على حافة الحديقة التي تتوسطه...ورأيته يقترب مني...شاب في أوئل العشرينات ذو شعر أشقر وملامح ريفية محببة تبدو لي نظراته حائرة بعض الشيء وفي عينيه يقينا أبصرته جليا واضحا...إقترب واسند ظهره بجواري وهو يلهث والكمامة تغطي نصف وجه والزحام حولنا شديد وخانق..إلتقت نظراتنا إبتسمت له فبادلني الإبتسام ....ثم أشاح بوجهه عني يتابع حديثا يجري بين شابتين يتحدثان عن توحش الشرطة...ثم نظر ناحيتي فوجدني ما زلت أرقبه فأشاح عن وجه الكمامة وسألني في حذر: تؤمر بخدمة؟ أعجبتني لهجته الريفية فاتسعت إبتسامتي وقولت له:عايز سلامتك...أصلك وحشتني....نظر إلي في تساؤل وقال:حضرتك تعرفني ؟ قولت له في ود:معرفكش بس اللهجة بتاعتك بئالي سنين مسمعتهاش....إقترب مني مقدار خطوتين وسألني في حذر:هو الأستاذ منين...ضحكت له مجيبا:الأستاذ من الجيزة بس بئالي سنين برة مصر وبحب لهجة أهل الفيوم....إبتسم لي إبتسامة أحببتها وفتح ذارعيه قائلا:وانت كمان وحشتني ...وأحتضنني...كان شابا ودودا يتسم بالظرف قادرا على الإبتسام رغم رائحة قنابل الغاز التي تغرقه وملابسه التي تمزقت جراء التدافع والتصادم....سألني:الأستاذ إسمه إيه؟ قلت له:إسمي ياسر من غير أستاذ....ثم سألته:وانت اسمك إيه؟ بدت على ملامحه بعض التردد ثم أجابني بصوت خافت:رامز....ضحكت له قائلا: وموطي صوتك ليه ده حتى إسمك حلو؟ بدى على وجه ملامح الخجل وقال لي بنفس الصوت الخافت:رامز جبرائيل....مسيحي.....نظرت إليه مبتسما وقلت:منور الميدان يا رامز ويا ريت كل الشباب زيك...إبتسم لي في فرح وقال بحماس:الشباب اللي زيي هنا وأحسن مني كتير أنا بحاول أكون زيهم...سألته:وانت ايه اللي جابك من الفيوم لهنا يا رامز؟ نظر إلي نظرة طويلة وقال:شفت أهالي الشهداء بيتضربوا ومصابي الثورة بيتهانوا والثورة بتتسرق وشباب بيقع فقررت انا وشوية صحاب ليا ننزل نشارك بأي شيء...ربت على كتفه محييا....ثم جذب أبصارنا رؤية شابا محمولا على الأكتاف أخذوه إلى مسجد عمر مكرم للعلاج وقد إخترق خرطوش الشرطة إحدى عينيه وذراعه تنزف دما فذهبنا خلفه نساعد بما نستطيع....الصراخ والعويل والكر والفر يجذب مسامعك من كل مكان في الميدان وهاتفي يرن ولا أجد الوقت لأرد على المتصل ولا حتى النظر إلى الهاتف لأعرف من....كل شيء حولك يحدث يأسرك تماما...شعرت أن التاريخ قد إنزوى هنا يسجل كل لحظة طاهرة تمر على ذلك الميدان ....مكثنا بعض الوقت نساعد الجرحى ونحمل إحداهم إلى الدراجة البخارية كي تنقله إلى أقرب مستشفى.
عدت حيث كنت ووقفت متاملا الميدان رأيت فنانين شرفاء يشاركون الشباب الموت والهتاف لحظة بلحظة...ها هي شيريهان تتوسط مجموعة من الفتيات وتبكي على كل مصاب يمر أمام عينها...وخالد الصاوي يسعل مختنقا من قنابل الغاز وهو يصراخ لاعنا الشرطة والمجلس العسكري وكل من يقتل شبابنا الطاهر...وعمرو واكد يحمل الطعام والماء لشباب الميدان...رأيت الفنان خالد النبوي يتحدث إلى مجموعة من المثقفين في حماس لا ينقطع...رأيت وجوها مضيئة تصدرت المشهد وكانت جزءا منه.
وقفت أرقب بتأمل وما زال الشوق يملؤني للميدان وانا واقف في منتصفه...أبصرت رامز يقترب مني مرة أخرى يكاد الإنهاك والتعب يقتلانه، إبتسمت له مشفقا...رأيته يسألني:هما بيعملوا فينا كده له؟ نظرت إليه في ود وسألته:هما مين؟ أجابني: الشرطة....قلت له بنبرة حاولت أن تكون هادئة:لأنهم إتربوا على كده وثقافتهم كده ورؤسائهم أمروهم بكده....نظر إلي رامز وظهرت على وجهه علامات الغضب وقال:لكن دول مصريين زينا والمفروض يكونوا معانا مش علينا....وضعت كتفي على كتفه وهمست له مبتسما:إظاهر أنهم مش واخدين بالهم من الحتة دي.....إبتسم لي إبتسامة خفيفة ثم سألني:إنت بتشتغل إيه يا أستاذ؟ قلت له ضاحكا ومؤنبا:أنا مش أستاذ...ضحك وعاد يسألني:طب بتشتغل ايه ياللي مش أستاذ؟ ضحكت لضحكته البسيطة وأجبته: أنا صحفي في جريدة خليجية...يبدو أن الإجابة كان خارج إطار توقعات رامز رأيت الدهشة تعلو وجهه وينظر لي غير مصدقا ويقول: صحفي!!! يعني بتكتب في الجرايد!!! ومش عايزني أقولك يا أستاذ؟ ضحكت وأجبته:أنا ياسر ومن غير أي أستاذ....إبتسم وسألني في خجل:هو احنا كده بئينا أصحاب خلاص؟ قلت له بصفاء ملأني:إحنا إخوات يا رامز مش أصحاب ومن انهاردة.....ظهرت السعادة على وجهه البريء النقي القروي ولعله لم يكن يدري أنني سعيد بأخوتنا أكثر منه....إبتعد عني رامز بضعة أمتار ورأيته يتحدث في هاتفه فقولت له بصوت عالي ضاحكا: طب والنبي ده وقت كلام مع الحب يبني إحنا في ثورة....ظهر على وجه علامة الخجل وأشار ليه بيده بعلامة النفي وهو يكمل مكالمته دون أن يجيب....إنشغلت عنه قليلا برؤية سيدة عجوز تريد عبور الميدان فذهبت إليها ممسكا يدها لنعبر الطريق سويا وسألتني:هو في ايه يبني؟ أجبتها:ثورة يا حاجة...فقالت:يا رب أنصركوا...فأجبتها:أمين .....عدت حيث كنت وكان رامز قد إنتهى من مكالمته...سألني مفاجئا:بتحب تسمع مين من المطربين؟ إبتسمت له سائلا:إشمعنى؟ قال:عايز أعرف ذوقك...أجبته:بحب محمد منير.....ضحك ضحكة عالية مجلجلة ثم إختنقت ضحكته بفعل الغاز وظل يسعل قليلا ثم قال:أنا كمان بحب محمد منير وحافظ كل اغانيه...عارف أكتر جملة بحبها في أغانيه إيه؟ سألته:إيه؟ أجابني:" الناس نامت إلاي الناس نامت إلاي واقفلك في الشباك بستنى اليوم الجاي ..يمكن يسقينا الشاي ...يمكن يعطينا الناي...أنا قد الهوى وقدود لو حتى الهوى نساي...الكون بيضيق ويضيق لكن أنا قلبي براح باصص على مين يا صديق ...على طفل معاه مفتاح".....وصمت رامز...صمت كأن الكلمات قد أيقظت بداخله شيئا...ونظر إلي صامتا...قلت له في صدق:إنت إخترت أبلغ كلام يعبر عن اللي أحنا فيه يا رامز...فكرر مرة أخرى بعين دامعة: "الكون بيضيق ويضيق لكن انا قلبي براح باصص على مين يا صديق على طفل معاه مفتاح يمكن يسقينا الشاي يمكن يعطينا الناي..أنا قد الهوى وقدود لو حتى الهوى نساي"....ضممته إلي...ربما ضممته خوفا وهربا من أن يرى دموعي التي كادت أن تسقط من طريقة نطقه للكلمات!!.
أنتبهنا إلى صيحات شباب الميدان وهم يرددون: ضرب نار برصاص حي في شارع محمد محمود....جرى رامز ناحية شارع محمد محمود وهممت بالجري وراءه فأصطدمت عيناي بالسيدة العجوز تسقط أرضا جراء التدافع الشديد من شباب الميدان فأسرعت نحوها أحملها بين يدي وأجلسها فوق رصيف قريب ...كان وجهها مخضبا بالدماء فأخذت أمسحه عن وجهها بيدي وهي تقول لي:فداكم يبني دنتوا بتموتوا عشان البلد إيه يعني أنا لما ينزل مني شوية دم على الأقل أنا خلاص رايحة لكن انتوا اللي جايين ومعاكوا الأمل...قبلت رأسها إجلالا وحبا وطلبت من أحد الشباب راكبي الدراجات أن يحملها بعيدا حيث تريد الذهاب...والتفت على صيحات الشباب مقبلين حيث أقف حاملين أحد الشباب مضرجا في دمه وأدخلوه أحدى العيادات الميدانية...ذهبت خلفهم أتابع الحالة...لم أكن قد تبينت ملامحه بعد...شققت الصفوف الملتحمة ونظرت...كان رامز...رامز جبرائيل...فاقدا الوعي..ممددا على الأرض وقد فقد إحدى عينيه والدماء تسيل غزيرة من رأسه وعينه وقدميه...إقتربت منه وأنا أشعر بدقات قلبي تكاد تتوقف ألما وخوفا عليه...رفعت رأسه وأسندتها بين ذراعي...جاء أحد الأطباء الشباب لينظر حالته...ثم تمتم بكلمات غير مفهومة...سألته عن حالته فقال لي أنه قد فقد كمية كبيرة من دمائه ونبضه ضعيف وضاعت إحدى عينيه....نظرت إلى رامز في فزع وأسى...رأيته يفتح عينيه السليمة...وينظر إلى مبتسما...كان يبتسم وينظر إلى السماء كأنه يرقب شيئا ويتمتم ببضع كلمات لم أتبينها جيدا....قلت له:رامز أنت سامعني...قال:أيوة مش انت ياسر؟ أجبته بصوت باكي:نعم أنا ياسر ...صديقك...رفع يديه الهالكتين وأزاح عن رقبته قلادة يتدلى منها الصليب ووضعها بين يدي قائلا:هذه لأمي...أمانة...وأخذ يردد في صوت خافت ووجه مبتسم تغطيه الدماء: المجد لله في الأعالي وبالناس المسرة وعلى الأرض السلام...ثم سكن جسده بين يدي...مات رامز...في غمضة عين...كان منذ دقائق معي هناك...الآن ذهب...إنتقل إلى جوار ربه....دموع كثيرة حولي تبكي رامز وصرخات بعض الأخوات تصم الأذان...كان الكل لا يعرف رامز وكان الكل موجوع لفقده...إقترب بعض الشباب عرفت أنهم من أبناء بلدته ورفعوا جسده النحيل ليضعوه داخل سيارة عائدين إلى بلدته لإجراء مراسم الدفن...وأنا واقف متسمر حيث أنا لا ادري ماذا أفعل....نظرت إلى القلادة...وضعتها في جيبي...وأتخذت طريقي إلى منطقة ميدان رمسيس.
ركبت إحدى السيارات في طريقي إلى مدينة الفيوم...السيارة تقطع الأرض في سرعة كأنها تريد اللحاق بركب "رامز" الذي أضحى شهيدا وأحسبه كذلك إن شاء الله...ساعتين هما مدة الطريق من رمسيس إلى المدينة الصغيرة حيث بيت رامز...أو هكذا أظن...فالوقت لم يكن له أي صدى بداخلي في تلك اللحظات...سألت مرة ومرات عن بيته إلى أن أهتديت إليه...واضح أن نبأ إستشهاده قد وصل إلى بيته فمراسم العزاء تبدو جلية والحزن يخيم على المكان من حولي وصراخ وعويل النساء يصل إلى مسامعي.
إقتربت من مدخل البيت فخرج لي رجلا تبدو عليه علامات الحزن وعيناه تخبران عن دموع فاضت وجفت منذ لحظات...نظر إلي في تساؤل فأجبته موفرا عليه عناء السؤال:أنا صديق رامز من القاهرة ومعايا أمانة لأمه...تقدمني إلى داخل الدار وانا خلفه...ثم أمر النساء إلتزام الصمت وأشار لي بالتقدم...وتقدمت...أحاول عبثا إبتلاع ريقي الذي جف حزنا على الشهيد...وقفت أمام والدته التي كانت تبكي بكاءا شديدا..ظللت واقفا في صمت موجع إلى أن رفعت رأسها نحوي...جثوت على ركبتي امامها وقولت لها..عظم الله أجرك في رامز ...تمتمت بكلمات لم أفهمها...أمسكت يدها الحانية ووضعت فيها القلادة...أخذت تنظر إلى القلادة وتقبلها مرة..ومرة...ومرات وهي تبكي قائلة: أنت خلاص مشيت يا رامز؟ ظلت ترددها كثيرا والنساء حولها يبكين ...ثم نظرت إلي سائلة:إنت ياسر؟؟ قلت لها في دهشة:نعم ..عرفتي إسمي منين؟؟ اجابتني:رامز كلمني عنك....أتسعت الدهشة بداخلة وسألتها:متى؟ انا عرفت رامز لساعات في الميدان...كلمك عني إمتا؟؟ أجابتني وهي تبكي:كلمني في التليفون وقالي يا أمي أنا اتعرفت هنا بصديق صحفي إسمه ياسر وهو وعدني إننا بئينا أصحاب خلاص....كان وقتها يحادث أمه الباكية وقت ان داعبته مدعيا أنه يحادث حبيته...يا الله !!! أخذت أمه تبكي وتقول: مات رامز...رحل خلاص...أمسكت يدها وقبلت رأسها وقولت لها...يا أمي رامز ممتش رامز شهيد والشهداء احياء عند ربهم يرزقون...نظرت إلى بعين ذبحتها الدموع وهي تسالني..بجد؟؟يعني دينكم بيقول كده؟؟؟ أجبتها بصوت دامع: ودينكم أنتوا كمان يا أمي بيقول كده...وقبلت يدها وأنصرفت...قدماي ثقيلتان...ألجمهما الحزن ...,ألم الفراق...سقط رامز قتيلا شهيدا...ليصبح رقما بين أعداد الشهداء...قد يكون رامز جبرائل دمه رخيص عند من قتلوه من الجلادين والسفاحين...لكنه عند الله غالي...رامز جبرائيل...كان كل شيء فيه مصري...ضحكته الصابرة...عينيه المسامحة على الدوام...قلبه الوليد الطهور بنقاء القرية وبرائتها...كان رامز جبرائيل نسمة في برد الشتاء مرت على قلبي فنزلت عليه بردا وسلاما وكان رحيله نقطة دامية أسالت الدماء داخله فاوجعني فراقه وترك داخلي ندبة لا أظنها تندمل أبدا.
سلام على رامز جبرائيل...حيث كان..سلام على ذلك الطهر الذي إغتالته اليد المدنسة...كان رامز جبرائيل صديقي.........وسيظل كذلك....تذكروا ذلك الشهيد...رامز جبرائيل وتذكروا أحب الأبيات إلى قلبه: الكون بيضيق ويضيق لكن أنا قلبي براح باصص على مين يا صديق على طفل معاه مفتاح...يمكن يسقينا الشاي يمكن يعطينا الناي...أنا قد الهوى وقدود لو حتى الهوى نساي.

الثلاثاء، 22 نوفمبر 2011

إلى مصر...حيث الميدان

إني ذاهب إلى التحرير
إلى إخوتي من المغتربين الذين شاءت أقدارهم ألا يحضروا ويشاركوا في ثورة 25 يناير الطاهرة فتملكتهم الحسرة وعضوا أصابع الندم غيظا وحسرة...تاريخ مصر يسجل الأن من جديد وروائح الذكرى الثورية العطرة الزكية تنبعث من جديد فمن فاتته الـ18 يوما هي كل أيام ثورة يناير الزكية فلا يبتئس ففرصة المشاركة تتجدد على أرض التحرير...كلنا سويا يد في يد لن ندع الفرصة الثانية تفوتنا فلا نشارك أخوتنا في الميدان الإستشهاد أو تلقي إصابة العزة والطهر في الصدر أو البطن أو الأعين أو بتر ذراع أو ساق...ليس هذا وقت المشاركة بالمال أو الإكتفاء بالدعاء...إخواني المغتربين...من إستطاع أن يلحق بركب الطهر والنقاء والعزة...فليفعل...عن نفسي...إني مسافر إلى مصر...إلى التحرير...لأكون بين إخوتي.......لكم التحية.

السبت، 19 نوفمبر 2011

سبوت

فكرته تعد الأبسط والأروع حول الفتنة الطائفية
"وهلأ وين"...حكمة النساء منعت الفتنة أن تطل برأسها
ياسر صديق
شاهدت هذا الأسبوع فيلم " وهلأ وين" للمخرجة اللبنانية الطارحة للأفكار نادين لبكي ، الفيلم الذي نال عدة جوائز عالمية وعربية يجعلك تنحني إحتراما وإجلالا لعمق الطرح وبساطة التعامل مع قضية هي الأخطر ليس في لبنان وحدها بل في كل بلداننا العربية.
"وهلا وين" فيلم يحكي عن ضيعة صغيرة فوق تلة يسكنها خليط من العائلات المسيحية والمسلمة إبان الحرب اللبنانية في ثمانينيات القرن الماضي والأخبار كل يوم تتناقل عن سقوط قتلى بين المسلمين والمسيحيين إلا أن تلك الأخبار قد تصل أو لا تصل إلى الضيعة الصغيرة نتيجة سوء البث في تلك المنطقة النائية وهو ما جعلها في منآى عن حمى الصراعات الدينية .

في مشهد بسيط وتلقائي وعميق تصطف الأسر المسلمة والمسيحية جنبا إلى جنب لمشاهدة التلفزيون فتخرج قارئة النشرة لتعلن عن سقوط قتلي بين المسيحيين والمسلمين في وسط المدينة فما كان من نساء القرية إلا إفتعال مشاجرة مع أزواجهن كي تعلو أصواتهن فوق صوت التلفزيون فلا يسمعوا تلك الأخبار التي قد تشعل نار الفتنة داخل قريتهن وهن اللاتي يعيشن داخلها في محبة حتى أن "أمال" المسيحية صاحبة المقهى الصغير تقع في حب "ربيع" العامل المسلم.
ومشهد أخر شديد العذوبة عندما يقتحم قطيع من الماشية مسجد القرية فيخيل للمسلمين أنها عملية مقصودة من جانب المسيحيين وتقع مشاجرة بين الجانبين ويكسر "أبو أحمد" تمثال مريم العذراء فيتكاتف شيخ المسجد وقس الكنيسة من أجل التهدئة بين الجانبين في خطبة أقل ما توصف أنها رائعة.
"نسيم" صبي مسيحي يتعرض دائما لمشاحنات من أصدقائه المسلمين يخرج يوما في نزهة مع أخيه بالدراجة خارج القرية فيصيبه طلق ناري طائش من جهة غير معلومة فتصاب الأم بلوعة شديدة لفراقة وتقرر دفنه في البئر حتى لا يعلم أهل القرية بوفاته فتشتعل نار الفتنة بين مسلمي القرية ومسيحييها ، وتذهب تعاتب العذراء لأنها لم تحفظ إبنها في مشهد دراماتيكي مؤثر ، وعندما يعلم إبنها الأكبر بوفاة شقيقه ويفكر في الإنتقام تتصدى له وتطلق عليه رصاصة تصيبه في قدمه لتمنعه من المساس بأهل القرية المسلمين وهي لقطة تعد الأروع في سياق الفيلم.
تتفتق آذهان نساء القرية عن فكرة مذهلة فيعددن حفل عشاء لكل رجال القرية مسيحيين ومسلمين ويضعن داخل الفطائر والحلويات حبوب مخدرة ومهلوسة فيتناولها الرجال ويصابون بحالة من هيستريا الضحك المتواصل ليصبح أعداء الأمس أصدقاء اليوم.

يستيقظ رجال القرية في اليوم الثاني على مفاجأة مدوية فالرجل المسيحي يجد زوجته قائمة تصلي لله صلاة المسلمين والرجل المسلم يجد إمرآته وقد خلعت حجابها وأعلنت أنها مسيحية وعبثا يحاول الرجل التصدي لأفكار نسائهم حتى آن الأم المسلمة توقظ ولدها كي يصحبها إلى الكنيسة فيعتقد الولد أن أمه قد أصابها مس من الجنون.
يدرك الرجال أن نساء القرية كن أكثر تعقلا وحكمة وحبا لقريتهن منهم وفي مشهد ختامي يقرر أهل القرية دفن "نسيم" ويتوجهوا به إلى المقابر وعند الوصول إلى المدافن يتوقفوا فلا يعرفوا أن يدفنوه هل في مقابر المسحيين أم المسلمين!!! فيلتفت الرجال إلى النساء ويسألوا....وهلأ وين؟.
فيلم "وهلأ وين" صفعة على وجه كل المثيرين للفتن في كل زمان و مكان بل هو صفعة لكل من أبعد وأقصى المرأة عن ريادتها سينمائيا إلى أن أعادته نادين لبكي والتي ولا شك قد نجحت في ذلك عن جدارة .
نادين لبكي إختارت ممثلين لا يمثلون بل يتحركون أمام الكاميرا في تلقائية مدهشة حتى انك تتخيل أنه فيلم وثائقي مع أناس حقيقيون من أهل القرية .
"وهلأ وين" فيلم متواضع الإنتاج عظيم الفكرة مبهر في طرحه  حصل على جائزة الجمهور في مهرجان تورنتو في كندا ومهرجان ترابيكا في الدوحة ومرشح للأوسكار كأحسن فيلم أجنبي عن لبنات قامت بإخراجه والتمثيل وشاركت في كتابة السيناريو نادين لبكي وصاغ موسيقى الفيلم زوجها خالد مزنر والأزياء لشقيقتها كارولين لبكي وإنتاج آن دومينيك.

الأربعاء، 16 نوفمبر 2011

مهرجان الموسيقى لدول مجلس التعاون الخليجي

في دورته الأولي وبحضور كبار موسيقيي الخليج
مهرجان "الفنون الموسيقية لدول مجلس التعاون الخليجي" يطلق شرارته الأولى على أرض الكويت
·       الآذينة: دول الخليج رعت الأغنية وطورتها من خلال الرعاية الأكاديمية
·       الشمسي: الموسيقى متجذرة في تربة هذه المنطقة ووجدان شعبها
·       فرقة أولاد عامر قدموا لوحة تذكارية موسيقية إستعراضية
·       الفرقة الوطنية بقيادة أحمد حمدان غاصوا في نبع الراحل أحمد باقر
ياسر صديق                                        تصوير: جاسم بارون
افتتح وزير الكهرباء والماء والمواصلات ووزير الإعلام بالوكالة رئيس المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب سالم الأذينة مهرجان "الفنون الموسيقية لدول مجلس التعاون الخليجي في دورته الأولى والذي تحتضنه دولة الكويت بالتناوب على مدى أربعة أيام، وذلك بحضور الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب المهندس علي اليوحة، والمستشار بالديوان الأميري محمد أبو الحسن، وعدد كبير من الفنانين الكويتيين والخليجيين وأعضاء السلك الدبلوماسي.
بدأ المهرجان بعرض تراث موسيقي قدمته فرقة أولاد عامر للفنون الشعبية في الساحة المقابلة لمسرح الدسمة وهي تعد من أشهر فرق الكويت الشعبية المعروفة على مستوى الخليج العربي فقدمت رقصات شعبية تاريخية على أنغام الدفوف ورقصة السيف المشهورة بحضور المكرمين من كبار مطربي وموسيقيي الخليج .

معرض التراث الموسيقي
على هامش حفل الافتتاح أقيم معرض التراث الموسيقي الكويتي ضم مجموعة كبيرة من الصورة النادرة بالأبيض والأسود لرواد النغم أمثال: راشد الجيماز، يوسف البكر، يحيى أحمد، أحمد باقر، يوسف وعوض دوخي، أحمد الزنجباري، عبد اللطيف ومحمود الكويتي، شادي الخليج، غنام الديكان، إبراهيم الصولة، سعود الراشد، عثمان السيد وغيرهم.
ومن أهم الصور النادرة صورة جمعت صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير البلاد عندما كان رئيس الشؤون عام 1955 يجلس مبتسما وإلى جواره الشيخ جابر العبد الله، والراحلين عبد العزيز حسين وحمد الرجيب.

حفل الإفتتاح
وبدأ حفل الإفتتاح الذي قدمته الإعلامية سودابة علي والذي دعت فيه وزير الكهرباء والماء والمواصلات ووزير الإعلام بالوكالة رئيس المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب سالم الأذينة مهرجان لإلقاء كلمة الإفتتاح والتي رحب فيها بضيوف المهرجان ومشيرا إلى أن دول الخليج رعت الأغنية وطورتها من خلال الدورات التدريبية والمسابقات والمؤتمرات والرعاية الأكاديمية، حيث ضرب المثل بإنشاء المعهد العالي للفنون الموسيقية في الكويت منذ عام 1976 مستذكراً جهود الموسيقار الراحل أحمد باقر الذي ودع دنيانا قبل أيام قليلة، في حفظ التراث الغنائي وتدوينه وأعمالها الوطنية مثل "يا حماة العرين.
وألقى مدير إدارة الثقافة عبيد الشمسي كلمة بإسم الأمانة العامة لدول مجلس التعاون الخليجي توجه فيها بالشكر إلى الكويت وإلى صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير البلاد وولي عهده الأمين سمو الشيخ نواف الأحمد ووزير الإعلام سالم الأذينة.. كما شكر الشمسي المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب وعلى رأسه الأمين العام م.علي اليوحة وجميع العاملين على جهودهم في إقامة المهرجان. ونقل إلى الحضور تحيات الأمين العام لدول مجلس التعاون د.عبد اللطيف الزياني والأمين العام المساعد خالد الغساني.

وأكد الشمسي في كلمته أن الموسيقى متجذرة في تربة هذه المنطقة ووجدان شعبها فهي مرآة للحضارة وما وصلت إليه من رقي وإبداع. وأشار إلى أن الموسيقي بعناصرها المختلفة هي نتاج البيئة الطبيعية والبشرية ويبقى لها بعدها القومي الذي يمنح للوطن فرادته، وتسهم مع عوامل أخرى في خلق تنوع ثقافي يمد الحياة بأسباب الجمال
عقب ذلك قام المايسترو أحمد الحمدان وفرقته الموسيقية بتقديم أكثر من معزوفة لحنية للموسيقار الكبير الراحل أحمد باقر وعلى رأسها أغنيته الشهير "لي خليل".

ثم كان مسك الختام مع الفنان سيلمان العماري بصوته المتميز في أداء التراث الكويتي حيث قدم مع فرقته فن الصوت وبعض الأعمال التراثية مثل "يا نسيم الصباح" واختتم وصلته بأداء إحدى أغنيات الفنان عبد الله الفضالة.

الأحد، 13 نوفمبر 2011

من مذكرات السندريلا

كانت حب حليم الأول والأخير
سعاد حسنى : صفوت الشريف هدد بقتل حليم إذا لم تستجب لطلباته‏
·       بعد وفاة عبد الناصر شعرت بفقدان الأمان وأنها في مرمى نيران صفوت الشريف
·       قام صفوت بتجنيد زكريا عزمى لمنع أى تقارب بين عبد الحليم والسادات
·       في لحظة يأس وعدم اتزان قررت سعاد التخلص من صفوت الشريف في لندن
·       ذهب صفوت إلى الفندق الذى تقيم فيه سعاد وما إن جاءت لتصافحه حتي صفعها
·       طلب نزار من سعاد أن تبتعد عن حليم حرصا على حياته
·        حليم بكى على كتف نزار فى أول لقاء بينهما فى لندن عقب قارئة الفنجان
·       كان حليم يعلن وهو يموت أن سعاد كانت المرأة الوحيدة فى حياته
 إعداد:ياسر صديق
لا تزال مذكرات السندريلا تنكشف يوم بعد يوم .. وفى هذا الموضوع تعترف سعاد أنها وعبد الحليم وبعد وفاة جمال عبد الناصر قد شعرت بفقدان الأمان وأنها في مرمى نيران صفوت الشريف وزبانيته بعد أن أعاد صفوت كل ما كان له من أدوات.. بل صار أقوى من ذى قبل خاصة بعد أن انضم إليه الضابط زكريا عزمى وعليه فقد أعاد صفوت كل الضباط الصغار والمخبرين الذين كانوايعملون في جهازه إلي الحزب الوطني الديمقراطى، في تلك الأثناء قرر حليم أن يتزوج سعاد رسمياً بعد زواج عرفى دام طويلاً.. لكن صفوت الشريف خاف أن يحكى حليم للسادات الحكاية القديمة الخاصة بعمل سعاد حسني فى جهاز المخابرات وتلك الأفلام الإباحية التى قام صفوت بتصويرها سراً لسعاد.. وأخذ يبتزها بها ويجبرها علي القيام بأدوار خاصة رغماً عنها فى بداية حياتها الفنية حيث كانت صغيرة فى السن جداً وفى الوقت الذى لم تستطع أى فنانة أخرى كبيرة أو صغيرة أن تفلت من أصابع صفوت الشريف.
قام صفوت بتجنيد زكريا عزمى والذى كان وقتها يعمل رئيساً لديوان رئاسة الجمهورية قام بتجنيده في مهمة واحدة ووحيدة وهى منع أى تقارب أو زيارات شخصية خاصة يطلبها عبد الحليم حافظ للقاء أنور السادات خوفاً من أن يحكى حليم للسادات الحكاية كلها.. والسؤال هنا هل كان السادات لا يعلم شيئاً ليس عن الحكاية فقط بل عن عمل صفوت الشريف أيام ستينيات القرن الماضى؟ كيف ذلك؟ وقد كان.

محاولة قتل صفوت الشريف
تذكر سعاد أنها في لحظة يأس وعدم اتزان قررت التخلص من صفوت الشريف فى لندن حيث كانت وقتها تقيم هناك عام 1974 في فندق «دورشيستر» في منطقة «بارك لان» الثرية بوسط العاصمة البريطانية، حيث كانت أحوالها المادية منتعشة جداً وكانت وقتها زوجة للسيناريست ماهر عواد والتى ماتت وهى لا تزال متزوجة به وقامت سعاد بشراء مسدس عيار 8 ملليمتر ووضعت به ثلاث طلقات كانت كافية لتفجير قلب صفوت عن آخره.. وأعدت الخطة باستدراجه عندما يزور لندن.. وقررت أن تصطحبه إلي حديقة الهايد بارك الشهيرة في المساء حيث يكون أهالى لندن نياما.. لكنها لم تفعل رغم حضوره بالفعل إلي هناك.
حينما ذهب صفوت إلى الفندق الذى تقيم فيه سعاد وطلب زيارتها وما إن جاءت لتصافحه حتي صفعها بالقلم علي خدها فما كان منها إلا ردت له الصفعة على صفحة خده أمام الناس وفي بهو الفندق الشهير. في ذات اللحظة قرر صفوت أن يقتل عبدالحليم حافظ وقال لها ذلك فعلاً أمام الناس أنه سوف يقتل حليم خلال أسبوع واحد!
مذهولة.. ردت سعاد عليه : وما علاقة حليم بما بيننا؟ قال لها صفوت مفاجأة لم تكن تتوقعها وهي نية حليم للزواج الرسمى منها وأنه ــ أى حليم ــ سوف يأتى إلى لندن ليتم الزواج.. وإنه يسعى للتقرب من السادات ليحميه ويحميها من صفوت ورجاله!.
لكن زكريا عزمى الذى تم تعيينه في أول يناير 1975 مديراً لمكتب ديوان رئيس الجمهورية قد نفذ مهمة صفوت على أكمل وجه ومنع أى لقاء خاص بين السادات وحليم ، وفشلت كل محاولات حليم للقاء الرئيس.
وهنا قررت سعاد قطع علاقتها بحليم خوفاً عليه ، وحينما ذهب إليها فى لندن طلب يدها.

* القصة الكاملة للعرافة قارئة الفنجان
مرة كان نزار قبانى يزور لندن بعد أن قدم استقالته عام 1966 من العمل الدبلوماسى في سوريا وتفرغ للأدب والشعر، ووقتها أنشأ دار النشر باسم «منشورات نزار قباني» والتقته سعاد وحكت له مخاوفها.. بل مجمل علاقتها بحليم وتهديدات صفوت.. وكان نزار بالنسبة لها بمثابة الأب.. وزوجته بلقيس كانت بمثابة أم لسعاد.
لكن نزار طلب من سعاد أن تبتعد عن حليم وتنهى حكايتها به ضماناً لأمنه وسلامته وهو ما نفذته سعاد بالحرف.
حينما سافر حليم التقى سعاد ثم التقى نزار الذي حكى له ما أخبرته به سعاد فكان أن نصحها بالابتعاد عنه وقتها قام نزار بقراءة قصيدة «قارئة الفنجان» على حليم الذى انهار وبكى بشدة خاصة من مطلع «يا ولدي قد مات شهيداً من مات فداء للمحبوب»، لكن حليم طلب تغيير سطر شعرى كامل من القصيدة كان يقول: «فحبيبة قلبك يا ولدي نائمة في قصر مرصود والقصر كبير يا ولدى وكلاب تحرسه وجنود» خاف حليم من إثارة صفوت ورجاله بعبارة «وكلاب تحرسه وجنود».
ظلت كلمات الأغنية مع محمد الموجى لمدة عامين حتى أتمها فى لحنه الرائع والجميل وغناها حليم فى عيد ربيع 1976 وهى ذات الأغنية والقصيدة التي بسببها تم منع دخول نزار قبانى لمصر فترة طويلة.
وقد علمت سعاد من سهير محمد على أن حليم بكى على كتف نزار فى أول لقاء بينهما فى لندن عقب قارئة الفنجان وأنه أعلن لنزار أنه لم يحب أحداً مثل سعاد وكان نزار قد طلب منه كلما غني قارئة الفنجان أن يغنيها من قلبه من أجل حبه لسعاد.

* وصية عبدالحليم إلي نزار قبانى يوم وفاته
ربما حب حليم لسعاد لخصه يوم وفاته في ورقة صغيرة وجدت في أغراضه بعد أن توفى في مستشفى كنجز كولدج» بلندن مساء الأربعاء فقد حكت سعاد وهى تذكر أنها كانت تبكى وهى تحكى أن حليم قبل وفاته وربما قبل دخوله غرفة العمليات لآخر مرة كتب بخط يده مقطعا صغيرا من قارئة الفنجان هو: «وبرغم الجو الماطر والإعصار.. الحب سيبقي يا ولدى.. أحلى الأقدار» وكان يعلن لها وهو يموت أنه مات وهو يعشقها وأنها كانت المرأة الوحيدة فى حياته.
وتنهى سعاد الفصل بروايتها عن أن نزار اتصل بحليم قبل دخوله غرفة العمليات ليشجعه فأوصاه حليم أنه لو مات لابد أن يكتب قصتهما معاً عندما يسجل مذكراته فيما بعد فطمأنه نزار ووعده بأنه سيعيش ليكتب بنفسه القصة، لكنها قالت فى نهاية آخر سطر في الفصل: « لقد أخلف نزار وعده لحليم مرتين الأولى عندما وعده أنه سيعيش ، والثانية عندما مات ولم يسجل مذكراته وكان قدرى أن أحكى قصتنا.. فأنا قارئة الفنجان ».

السبت، 12 نوفمبر 2011

في مثل هذا اليوم...كنا هنا

حدث في مثل هذا اليوم
كنت بمفردي...داخل سيارتي...أستقبل شتائي وهو يأتي ضبابيا وقد بدأ الجو يرتدي غلاف البرودة نوعا ما....كان الشتاء دائما يلقي في قلبي دفئا أحبه...منذ صغري وانا أحب الشتاء...وكل خير يأتيني دوما يدق بابي في الشتاء ....هكذا تعودت...تركت سيارتي في نفس المكان الذي تعودت أن أتركها فيه منذ عام مضى...في نفس المكان ...ودخلت إلى هناك...حيث كنت أحب أن أتي منذ عام مضى...وكان ذلك في الشتاء أيضا...وقفت مترددا قليلا ثم عقدت العزم ودخلت...المكان يبدو لي على حاله تماما...حتى الطاولة التي تعودنا أن نجلس عليها كما هي...خالية كأنها بإنتظار عودتنا...وفي الطاولة التي تليها جلس نفس الوجه يدخن سيجارته ويتطلع في وجهي كأنه يسأل نفسه...أين كان هذا منذ زمن؟ تقدمت بخطوات بطيئة وجلست حيث تعودنا أن نجلس...جاءت أحدى الفتيات العاملات لتسألني عن طلبي...تسمرت قليلا تطالعني في دهشة كأنها إندهشت أنني بمفردي...بدونها بعد كل تلك المدة...إبتسمت في وجهي كأنها تقول لي طالت غيبتك...بادلتها الابتسام وسألتني عن شرابي وهي تسجل في دفترها كأنها تعرف سلفا ماذا أطلب...وقالت قبل أن أنطق...هوتشوكليت كما تعودتما؟؟ إبتسمت وقلت لها...نعم هوتشوكليت كما تعودنا...جاءت الفتيات الأسيويات الواحدة تلو الآخرى يسألونني عنها ويقولون...إين المدام؟؟ فأبتسم لهم وأجيب: سافرت....فيهزون رؤوسهم في أسف ....أو لعلهن يهززنها غير مصدقين...لا أدري...جائتني الفتاة بالهوتشوكليت...جلست أتأمل القدح...كانت هذه أول مرة آتي إلى هنا ويكون أمامي قدح واحد...لي...تعودت أن نأتي إلى هنا ونطلب قدحين...سويا...الشيء الوحيد الذي تغير هنا أنها لم تعد هنا...وأظنها بل أكاد أجزم أنها لن تعود هنا يوما...أو لن نعود...جلست أحتسي مشروبي في بطء وأتفرس في المكان...إن المكان ليس كما بدا لي للوهلة الأولى...هناك كئابة تلقي بظلالها على المكان...برودة الطقس والإضاءة التي بدت لي خافتة ووجوه الفتيات العاملات التي أظنها قد شحبت كثيرا عن أخر مرة كنت فيها هنا ألقت في نفسي وحشة وجعلت صدري يضيق....كنت على نفس الطاولة أتذكر ...كنا هنا...نأتي صباح السبت...وكل صباح كنا نأتي...لكنني أتذكر صباح السبت على وجه التحديد...كان السبت يأتي بعد أن يكون قد فصلنا عن بعضنا يومي الخميس والجمعة بثقلهما وظلهما الممتد على أعصابنا فيهرسها هرسا...وياتي السبت فنلتقي هنا وكل منا يحمل شوقه بين يديه وفي عنيه فووق ضلوعه وداخل قلبه...كنا نقرأ الجريدة هنا...هكذا تعودنا...وتعودت هي أيضا من باب العدوى...نجلس نقرأ الجريدة ونعلق على ما بها من أحداث وكانت تعليقاتنا في الغالب ضاحكة ...كنت أحب أن أقرأ الحوادث فتعودت على ذلك مثلي...وكنت أحب أن أتصفح الجريدة مبتدئا بأخرها فأحبت ذلك أسوة بي أيضا...كنت أقرأ الحوادث وأعلق عليها وكان في الغالب يكون تعليقا فجا خارجا سوقيا فيحمر وجها وتلكزني في كتفي خجلا منها وأعتراضا على ما قلت وتنطلق ضحكاتنا تعم المكان...وأيام الثورة أيضا كنا هنا...نتابع في التلفاز ما يحدث بإهتمام ثم نتصفح الجريدة ونعلق ونتكلم ونتحاور ونتهامس...هكذا...حتى أخر النهار..لنقوم بعدها عائدين من حيث أتينا....كل هذا لم يعد موجودا...أنا هنا...وحدي...ومعي ذلك المشروب الخالي من أي طعم يذكر...برودة عجيبة تلف المكان بعد دفيء كان يغمره...أرى نفس الوجوه التي تعودنا أن نراها سويا ونعلق عليها ساخرين تتوافد على المكان وكلها وجوه تتفرس في كأنها تتأكد أني أنا وتسألني...أين هي؟ جلست قرابة الساعة ويزيد...وقمت...ذهبت إلى الكاشير كما تعودنا ...أعطيت للفتاة النقود فابتسمت لي نفس الابتسامة كأنها تذكرني أو تتذكر معي ....لا أدري...خرجت وأنا أجرجر قدمي جرا...كانت خطواتي ثقيلة ...ودقات قلبي أثقل...لفحتني نسمة باردة إستقرت في قلبي ولم تخرج حتى اللحظة.
سالت نفسي وانا أدير محرك سيارتي منصرفا...ما الذي جاء بك هنا بعد كل تلك المدة...وأجبت...ذكرياتي من حقي أنا...حقي وحدي دون شريك...أتذكرها وقت أشاء وكيف أشاء....وكأنني قد نسيت يوما!!!
منذ عام مضى كنا هنا...معا...ولم نعد كذلك.............................ولن نعود.

السبت، 5 نوفمبر 2011

كف القمر


يعد الأنجح والأبرع في تاريخ مخرج العمل
"كف القمر" ...رحلة لم الشمل في كل زمان
ياسر صديق
يعد عيد الآضحى المبارك هذا العام هو موسم التصالح والربيع السينمائي بين شركة السينما الكويتية والمخرج خالد يوسف وهما اللذان كانا في حالة قطيعة كاملة طيلة الإعوام السابقة عللت شركة السينما الكويتية السبب وراء ذلك إلى الجرعة الدسمة من المشاهدة الجريئة والفاضحة التي إشتهرت بها أفلام خالد يوسف وأرجع هو السبب وراء القطيعة إلى مقص الرقيب الذي يبتر أجزاء كبيرة من الفيلم فيفقد الفيلم مضمونه ويصبح بلا رسالة تقريبا ، ولكن في هذا الموسم تفاجئنا بعرض فيلمه "كف القمر" ضمن أفلام العيد والأعجب والأغرب أن الرقابة لم تحذف تقريبا أيا من مشاهد الفيلم!!!.
"كف القمر" إسم يرمز إلى الأم "قمر" تلك المرأة الصعيدية الصبورة القوية والكف هنا نكاية عن أبنائها الخمسة والذي يمثل كل واحد منهم أصبع من يدها ، يبدأ الفيلم بمشهد للأم العجوز التي اعياها مرض السكر ويكاد يكون قد أفقدها بصرها وأولادها قد هجروا البلدة ونزحوا إلى مصر بحثا عن الرزق فيستغل اللصوص ذلك فيسطون كل ليلة على البيت يسرقون منه شيئا حتى صاروا ينقبون الجدران والمرأة لا حول لها ولا قوة إلى أن تسقط في اغماءة جراء كومة سكر.

وبطريقة "الفلاش باك" التي يجيد خالد يوسف حبكتها تعود الأحداث إلى وقت أن كانت "قمر" زوجة شابة تجلس في إنتظار عودة زوجها "القط" من الجبل حيث يقبع هناك ينقب عن الأثار والذهب وبعد أن يعثر عليه يأتي تاجر ومهرب أثار كبير فيقتله ويسرق الآثار والذهب ليعيش أكبر أبنائه الخمسة في رحلة بحث بلا كلل عن قاتل أبيه.

تبدأ "قمر" وهي وأولادها الخمسة الصغار في بناء البيت حسب وصية الأب القتيل ويكبر الفتيان وتكبر معهم أحلامهم خاصة "زكري" الكبير والذي تتمحور أحلامه في زواجه من حبيبته التي يرفض أبوها زواجهما أكثر من مرة بسبب فقره ويهدد الأب بقتل "زكري" إذا عاود طلب يد إبنته ويزوجها لرجل أخر.
تخشى "قمر" على أولادها خاصة بعد أن ساومها والد حبيبة "زكري" على بيع أرضها فتقرر إرسالهم إلى مصر مع أخيها ليعملوا هناك ويعود فيكملوا بناء البيت وتوصي الكبير"زكري" على أخوته كي يعودوا كفا واحدة كما ذهبوا خمسة لا ينقص منهم واحد.
يذهب الأولاد إلى مصر ويعمل كل منهم في مهنة مختلفة فـ"جودة" يعمل في مقهى و "ضاحي" يعمل بائع خضراوات متجول و"ياسين" يعمل في محل بيع شرائط كاسيت و"زكري" يعمل عامل بناء وفي الخفاء يتاجر مع خاله في تجارة السلاح والآخر يعمل في محل عصائر.

وعن طريق عامل محلوجي في السكك الحديدية يرشد "زكري" عن مكان قاتل أبيه الذي سيأتي مستقلا أحد القطارات القادمة إلى الصعيد لينجح "زكري" في قتل الرجل والثأر لأبيه في الوقت الذي تطلق فيه حبيبته من زوجها بعد أن مات إبنها من زوجها بسبب إهماله وكرهها لطفل  جاء من رجل أخر غير "زكري" فيودعها أبوها مستشفى الأمراض العقلية فيذهب ضاحي وبمساعدة العاملين في المستشفى ينجح في الزواج منها ويأخذها معه إلى مصر ، ويعلم أهل حبيبته بما فعل فيخطفون أمه "قمر" رهينة حتى يرجع الفتاة إليهم فيعود بها ليفك أسر أمه ويفترق الحبيبن والزوجة تحمل في أحشائها طفلا.

وفي مصر يتفرق الأخوة الخمسة والأربعة يرجعون سبب تلك الفرقة إلى "زكري" ، وتمرض "قمر" مرض الموت وتطلب من إبنها الأكبر أن يأتيها بباقي الكف خاصة بس أن تفشت الغرغرينه في يدها وتم بترها بأمر الطبيب ، ويذهب ضاحي في رحلة لم الشمل ويفشل في جمع إخوته حوله ليعود إلى أمه فتسأله عن أخوته ..وتموت...وفي مراسم الدفن يتجمع الأخوة مرة أخرى ليبدأوا رحلة بناء البيت الذي أوصاهم أبوهم قديما ببنائه وتعود الزوجة وإبنتها إلى "زكري"
الفيلم يعد أروع أفلام خالد يوسف على الإطلاق فلقد خلع عنه ثوب المشاهد الجنسية الفجة وأرتدى ثوب الأفلام ذات البعد والمغزى فنجح في ذلك تماما وكأن "كف القمر" بداية سينمائية جديدة لمخرج كان من أول من خرجوا دفاعا عن ثورة 25 يناير والتي يبدو أنها قد شكلت وجدانه من جديد.
خالد صالح في دور "زكري" كعادته ممثل من العيار الثقيل يعرف كيف يمسك بتلابيب الشخصية ويغزل منها طريقة أداء تجعله متفردا مختلفا دائما.
غادة عبد الرازق في دور حبيبة "زكري" لا شك أنها ممثلة قوية أجادت أداء الشخصية المعقدة بشكل رائع.
هيثم زكي في دور "ياسين" ظلمناه عندما وضعناه في مقارنة ظالمة مجحفة مع أبيه العبقري الراحل أحمد زكي ، هيثم كان مجتهدا بارعا أدى الشخصية بخفة وبراعة تجعلنا نتنبأ له بمستقبل واعد.
وفاء عامر في دور "قمر" هي الحصان الأسود الرابح في الفيلم فلقد كانت مفاجأة بحق في درجة إجادتها لنطق اللهجة الصعيدية وأداء المرأة العجوز ، وفاء عامر نجح خالد يوسف في وضعها على طريق النجمة العالمية في أدئها.
لا يفوتنا أن نلفت إلى أن الأغنيات التي صاحبت مقدمة الفيلم وخلال الأحداث وفي مشهد النهاية كانت شريك أصيل في تميز الفيلم ونجاحه.
"كف القمر" بطولة خالد صالح وغادة عبد الرازق ووفاء عامر وجومانة مراد وحسن الرداد وهيثم زكي تأليف ناصر عبد الرحمن وإخراج خالد يوسف، والفيلم يعرض في دور العرض السينمائي في الكويت.