السبت، 24 ديسمبر 2011

فيلم أسماء

فيلم "أسماء"...الثورة على معتقدات كذوبة
·       حاملة "الأيدز" تحتفظ بحقها في إخفاء سبب إنتقال العدوى لها
·       الفيلم يعري المجتمع من عيوبه النفسية المزمنة في محاولة للإصلاح
·       الزوجة المحبة ترفض التخلي عن زوجها حامل المرض وتشاركه حلم الانجاب
ياسر صديق
لكل مجتمع معتقداته وموروثاته الثقافية ، وجل هذه المخزونات المعرفية والعقائدية بنيت على أسس تخضع لمعايير "العيب" والخوف من "الفضيحة" وليس على أساس الحلال والحرام والحرص على مرضاة الله والسعي  إلى تطبيق الجملة الربانية "أحبوا الناس يرحمكم الله"...يبدو كل ما سبق واضحا جليا صارخا فاضحا في فيلم"أسماء" ....الفيلم لا يطرح شخصية تحمل مرضا لا شفاء منه كما تبدو الصورة من الخارج..بل إنه يخوص داخل العورات النفسية للمجتمع فيعريها ويكشفها ويزيل عنها تقيحات ازدادت إلتهابا بمرور الزمن في محاولة رائعة لتطهير الجرح وتعافي جسد المجتمع.

يبدأ الفيلم بمشهد فاصل قاطع ...سيدة في منتصف الأربعينات يساعدها أحدهم في دخول المستشفى لإجراء عملية "المرارة" التي تسبب لها آلاما مزمنة وهي يملي عليها ضرورة آلا تتكلم ولا تفصح عن شيء...فقط الصمت هو المطلوب....وفي داخل غرفة العمليات تجرى الاستعدادات لإجراء العملية فتقطع المرأة حبل الصمت بجملة تنزل كالصاعقة على الأطباء الملتفون حولها........"انا عندي إيدز".
"اسماء" بطلة الفيلم "هند صبري" سيدة تعاني من مرض فقد المناعة المكتسبة "الإيدز" تعاني معاناة مرة من مرض المرارة ويعزف كل الأطباء عن إجراء العملية لها خوفا على أنفسهم من إلتقاط الفيروس...تعمل "أسماء" عاملة نظافة في مطار القاهرة يطلب منها رؤسائها إحضار التقرير الطبي لإكمال مستندات تعيينها وبعد تهرب لعدة أشهر تحضر أوراق تثبت أنها تحمل المرض القاتل فتفصل من عملها بعد أن رفض زملائها وجودها بينهم.
يسير الفيلم بطريقة الفلاش باك فنرى تارة مشهدا للبطلة وهي شديدة الحرص على حجب حقيقة مرضها حتى عن إبنتها الوحيدة التي ينتابها أحساس مزمن أن أمها تخفي عنها شيئا يتعلق بعفتها وأخلاقها فتتمرد البنت على حياتها وتخرج لملاقاة شاب تحبه وتهرب من المدرسة ، وتارة نرى المشهد يعود بنا حيث كانت "أسماء" شابة في قريتها الصغيرة تبيع السجاد وتتمرد على البائعين الرجال الذين يريدون إقصائها عن السوق فيراها شاب مجند فيعجب بها وتبادله الإعجاب بل وتبدأ هي في مغازلته فيثور أبوها عليها في مشهد بدا كوميديا راقيا لينتهي المشهد بالشاب يطرق الباب طالبا يدها.
على الجانب الأخر من الأحداث نرى إعلامي شهير في برامج التوك شو "ماجد الكدواني" يبحث عن قضية ساخنة تضج مضاجع المسؤولين،  يطلب من فريق الإعداد البحث عن مشاكل المطحونين من أبناء الشعب فتتوصل أحدى فتيات فريق الإعداد للعيادة التي تعالج فيها "أسماء" وزملائها من المرض وتطلب من الطبيب المعالج حالة من تلك الحالات توافق على الظهور بوجهها على شاشة لشرح مرضها ومعاناتها ويقع الإختيار على "أسماء" وسط معارضة وخوف كل زملائها عليها من مواجهة الناس.

يعود بنا الفيلم ليرتد بالإحداث إلى الوراء...إلى بداية زواج "أسماء" حيث تصر على مواصلة عملها في السوق وتقنع زوجها بضرورة ألا تعيش كالبهائم تأكل وتشرب وتنجب وتموت ، ويقتنع الزوج المحب بحجتها...وفي يوم أسود تقع ملاسنة بين "أسماء" وأحد البائعين فيصفعها على وجهها فيتصدى له زوجها ويدخلان في عراك يسقط على إثره البائع صريعا ويقذف بالزوج في السجن ليبقى السؤال الذي هو لب الأحداث!! كيف حملت "أسماء" الفيروس القاتل؟؟.
ويخرج زوجها من السجن عازفا عنها كارها لها ولا تدري السبب وراء ذلك...وفي ليلة خروجه يرمي عليها يمين الطلاق فتسأله عن السبب فيصارحها أنه مريض بالإيدز وأصيب به في السجن فتصبر "أسماء" وتحتسب وتقف بجانبه ولا تتركه وتتولد داخلها رغبة أن تعوضه بطفل يحمل اسمه فيرفض حتى لا يصيب من ليس له ذنب بوبائه...وبعد فترة تذهب "أسماء" لإجراء التحاليل وتعود لتخبر زوجها باكية أن المرض قد انتقل لها ولم تعد هناك حجة تمنعه من الإنجاب وبالفعل تلد "أسماء" بنتا...لتكشف الأحداث بعد ذلك أن أسماء إدعت المرض فقط كي تشارك زوجها مرضه وحلمه في الإنجاب وأنها لم تحمل المرض إلا عندما بدأ الإتصال الجنسي بينهما ..يموت الزوج ويطالبها أخاه بمغادرة القرية...وتفعل.
وفي قفزة بالأحداث إلى الأمام يتعرف الإعلامي على "أسماء" ويعرف حالتها فيتفاعل مع قضيتها ويطالبها بالظهور بوجهها في الحلقة فتوافق إلى أن زملائها يحاولون إقصائها عن ذلك خوفا على سمعتها وسمعة إبنتها فتتردد في أخر لحظة وتطلب أن تظهر بوجه معتم فيوافق الإعلامي على مضض....وتذاع الحلقة وتحقق صدى واسع وتشاهد إبنتها الحلقة ويخبرها جدها أن المتحدثة هي أمها فتطلب البرنامج وتشيد ببطولة أمها وبسالتها وقوة تحملها ، وعنئذ تقرر "أسماء" الظهور بوجهها أمام المشاهدين لتقول كلمة خالدة" أنا لو مت مش هموت من المرض...أنا لو مت هموت من مرضكم أنتم"..تقصد الجهل في التعامل مع مريض شديد الخصوصية كمريض الإيدز ، يقف بعدها الإعلامي امامها في أحترام مصافحا لتكون المصافحة الأولى بينها وبين أحد بدون قفازها الشهير.
ينتهي الفيلم بمشهد شديدة الضياء والإضاءة والسماحة..."أسماء" تعود إلى بيتها مرفوعة الرأس فرحة أن إبنتها قد علمت حقيقة مرضها وتدخل شارعها حيث تسكن وتقف في صلابة تواجه جيرانها في مشهد صامت وموسيقى تصويرية شديدة الرقي.
الرائعة هند صبري لم تحقق الإجادة والقبض على تفاصيل الشخصية فحسب لكنها قفزت بسنوات عمرها أكثر من خمسة عشر عاما إلى الأمام في توحد مذهل إيماءتها الجسدية ونظرات عينيها ونطق الكلمات تجزم أنها سيدة في أواسط الأربعينيات.
ماجد الكدواني يتفوق على نفسه بسلاسة وقدرة على الإقناع وحبكة شديدة البساطة إستحق عليها أن ينتزع لقب أحسن ممثل عن دوره هذا من مهرجان أبو ظبي.
عمرو سلامة مخرج واعد ماهر في التحكم في ادواته وقادر على توصيل الفكرة بأقصي حدود الإبداع.
فيلم "أسماء" بطولة هند صبري وماجد الكدواني وهاني عادل وسيد رجب تأليف وإخراج عمرو سلامة.

الأربعاء، 21 ديسمبر 2011

غراب ينعق فوق جسد الشهداء

غراب ينعق فوق جثث الشهداء
توسطت جثته شارع مجلس الوزراء وتجمع حولها المارة يتهامسون ويشيرون وبعضهم يقول: هو ده تبع مين الأمن ولا المتظاهرين؟...وخطوات صارمة تشق الصفوف ليتصدر المشهد رجل في بداية الأربعينات من عمره الشيب بالكاد يزحف على فوديه يرتدي بزة الشرطة ويحمل على كتفيه رتبة تنبأ أنه عقيد....تقدم من الجثة الممددة وقام يتفحصها وفتش جيوب القتيل ليخرج كارنيه فتحه ثم علت وجهه الدهشة والجزع في آن واحد وهي يقول في صوت خرج على الرغم منه مرتفعا...إبراهيم شاهين!!! رائد في الأمن الوطني....لتختفي من على وجوه المتجمعين حوله نظرات التساؤل وتحل محلها نظرات الدهشة..........والشماتة.
بعد ثلاث ساعات على ذلك المشهد رن هاتف ذلك الرجل الأشيب الشعر البارد الملامح التي تعلوها نظرات لا مبالية ....نظر إلى هاتفه فوجد رقما مجهولا فظل ينظر إلى الهاتف مترددا ...ليرد....ألو....أتاه صوت على الطرف الأخر هاديء صارم: الأستاذ أحمد شاهين؟ أجاب الرجل في حذر:نعم....من؟....الصوت بنفس الهدوء تخلله بعض التوتر: العقيد حسام الششتاوي من قوات مكافحة الشغب رجاء مراجعة الوزارة في أقرب وقت ...الرجل في جزع:لماذا!!! من حقي أن أعرف ماذا جرى؟...العقيد في أسى:وجدنا الرائد إبراهيم إبنك مقتولا قبل ثلاث ساعات من الآن!!...ساد صمت ثقيل قبل أن يأتي صوت الأب هادئا لدرجة أدهشت العقيد حسام قائلا:سأوافيكم على الفور.
هرج ومرج أمام مبنى وزارة الداخلية وعدد من كبار ظباط الشرطة واقفين يتحدثون إلى بعضهم البعض في عصبية تبدو واضحة لدرجة لا تخطئها عين.....تقدم أحمد شاهين إلى داخل مبنى الوزارة في خطوات ثقيلة متعبة منهكة وتوقف أمام عسكري يقف أمام باب غرفة وسأله عن العقيد حسام الششتاوي فأجلسه العسكري ودخل إلى الغرفة ثم عاد وهو يشير إلى الرجل بالدخول وقد علت وجه علامات إحترام وأسى تؤكد أنه قد علم أنه والد القتيل.
هب العقيد حسام الششتاوي واقفا لتحية والد الرائد إبراهيم وأجلسه في تأدب وأحترام ساد بعدها صمت مهيب على الغرفة قطعه العقيد بإشعال سيجارته وقدم سيجارة أخرى للوالد الذي أخذها وهو يهز رأسه محييا العقيد حسام الذي أشعل له سيجارته ثم جلسا ينفثا دخان سيجارتيهما ...ثم سأل العقيد حسام الوالد:هل رأيت الجثة؟ الوالد:لا لكنني على يقين أنه هو...العقيد حسام في دهشة:وكيف تأكدت؟ الوالد في هدوء عجيب:توقعت مقتله منذ سنين مضت...كنت أجلس كل ليلة في أنتظار أن يأتيني خبر مقتله على يد أحدهم....العقيد في تساؤل:أحدهم!!!! تقصد من؟ الوالد وهي يدخن سيجارته في نهم كأنه يأكلها: كل أولئك المعذبون من ضحاياه لقد كان ولدي جلادا لا شرطيا...كان يتلذذ بتعذيب من يقع تحت يديه في سادية تدهشني وتقتلني في ذات الوقت....لذا توقعت قتله يوما على يد أحدهم....ثم رفع عينيه إلى العقيد في تساؤل وقال:كيف تم قتله؟ العقيد في سخرية مريرة: وهل يشكل ذلك فارق لديك؟؟؟؟ الوالد في آسى: نعم أرجوك أجيبني.....مال العقيد على الوالد هامسا:45 طعنة كلها في البطن.....شهق الوالد في ذعر وقال بصوت باكي:رباه...طالما حذرته...لكنه لما يسمع لنصيحتي...طالما حذرته...وعلا شهيق بكائه فصمت العقيد حسام إحتراما لمشاعره حتى هدأ الرجل قليلا ثم سأله العقيد في فضول: حدثني قليلا عن إبراهيم...ولماذا توقعت أن يموت مقتولا على يد أحدهم كما قلت.....تراجع الوالد في مقعده وتنهد تنهيدة خرجت منها حارة ساخنة وقال....
تربى إبراهيم في بيئة تنذر بميلاد شخص مضطرب الشخصية...كنت أنا شابا في ذلك الوقت أعاني مشاكل عتيقة مع أمه فكبر إبراهيم على صوت الخلافات وكثيرا ما كان يصحو على صوت شجار وسباب ويراني وانا أعتدي بالضرب على أمه وهي تسبني وتلعن اليوم الذي رأتني فيه...كبر إبراهيم وهو يضمر بداخله كرها شديدا لي ولوالدته ...كان يستشعر دائما ويقول لنا أننا سرقنا طفولته وبخلنا عليه أن يعيش طفلا طبيعيا يلعب ويلهو وسط أبوين حنونين يحبونه ويرى الحب داخل البيت....وماتت أمه وهو في العاشرة من عمره...مرضت ومات...أغلب الظن أنها ماتت كمدا وغيظا مني ومن معاملتي لها...ورأيت ذلك في عين إبراهيم..وكان يقول لي ذلك...أنت الذي قتلتها...وكبر إبراهيم...وكبر إحساسه وكرهه لي...كان تلميذا مشاغبا...مشاغبا جدا...كان يعتدي بالضرب على أقرانه لأتفه الأسباب...وكثيرا ما كان الأخصائي الإجتماعي يستدعيني للمدرسة ويسألني عن أسباب سادية إبراهيم وقسوته...وفي المرحلة الثانوية نجح بمجموع منخفض للغاية وقرر التقدم للإلتحاق بكلية الشرطة...لكنه سقط في كشف الهيئة..وترك ذلك في نفسه أثرا...وغلا...وحقدا...أذكر يومها أنه دخل إلى غرفته وحطم كل ما فيها وظل يصرخ قائلا: أوساخ وانا أحسن منكم كلكم...ولم أدري يومها من يقصد....إلتحق على غير إرداته مجبرا بمعهد أمناء الشرطة وكانت القسوة هي سمته الرئيسية داخل المعهد وكثيرا ما تعرض للعقاب والمنع من الإجازات بسبب قسوته مع زملائه وتحديه لرؤسائه...
وبعد تخرجه عمل أمينا في قسم شرطة قصر النيل...كان يأتيني ليلا أو نهارا متعبا لاعنا كل شيء ساخطا على كل شيء يتمتم بكل كلمات السباب التي يعرفها...أحاول تهدئته فيزجرني في قسوة وعيناه يتطاير منها الغضب...لقد كبر وكبر معه كرهه وحنقه علي...كان يشعر أن الضباط يترفعون عليه ويعاملونه بإزدراء وكان هذا أكثر ما يقتله ويعذبه...فقرر الإلتحاق بكلية الحقوق لتحسين رتبته ....وذاكر حتى حصل على البكالوريوس وأصبح ملازما...يومها عاد إلى البيت ببزته العسكرية الجديدة وظل واقفا أكثر من ثلاث ساعات أمام المرآة متأملا وعلى وجه نظرات فرحة...ونشوة...وغل...نفس نظرات الغل التي ألتصقت بوجه منذ أن كان طفلا.
كان إبراهيم فظا...بل كان شديد القسوة والرعونة في معاملة المواطنين...وأتذكر أنه ألقى القبض يوما على شاب وفتاة كانا يتمشيان سويا على النيل فاستوقفهما وجرههما جرا إلى قسم الشرطة وألقى بالشاب داخل الزنزانة وظل يصفع ويركل الفتاة طوال اليوم حتى أخرجهما أحد الضباط متوسطا لديه للإفراج عنهما...يومها تم التحقيق معه بتهمة إستخدام العنف المفرط وأوقف شهرا عن العمل ...لكنه عاد أكثر دموية وغضبا وحنقا على كل الناس.
حتى جاءت ثورة 25 يناير....وكان إبراهيم من أكثر الكارهين لها...كان يرى أن من قاموا بها أوباش ومجموعة ممن يدعون الثقافة والرؤية البعيدة...وكان من اول المتصدين لها وأول من أطلق النار على المتظاهرين...إبراهيم كان ضمن القناصة التي قتلت الشهداء طوال أيام الثورة الثمانية عشر ...إبراهيم كان أول من سهل لراكبي الجمال والحمير إقتحام ميدان التحرير...إبراهيم كان على رأس المدبرين لحصار المتظاهرين في ميدان العباسية...إبراهيم ولدي ...كان هو من ركب العربة المصفحة ودهس بها المتظاهرين في أحداث ماسبيرو...إبراهيم كان أول من فقأ أعين الشباب في شارع محمد محمود لكنه كان ماهرا في التخفي والإختباء...إلى أن جاءت أحداث مجلس الوزراء الأخيرة.......
إعتدل العقيد حسام في جلسته وقفز الفضول من عينيه وهو يسأل:ماذا حدث في أحداث مجلس الوزراء....زفر الوالد زفرة عميقة وقال: إستيقظ يومها مبكرا وأرتدى ملابس مدنية سألته:إلى أين...نظر إلى بعين باردة ولم يجب...أعدت عليه سؤالي فرمقني بنظرة أوجعتني ...وخرج...ومن يوما لم أره ....إلى أن جاءتني مكالمتك.....ساد صمت عجيب وظل السؤال معلقا في سقف الغرفة....من الذي قتل إبراهيم شاهين!!!!!!! من؟.
قبل يوم من ليلة العثور على ذلك الرائد مقتولا تلقت "لبنى" الطالبة الأزهرية إتصالا من صديقاتها يخبرونها أنهن عازمات على ان ينزلن للإنضمام إلى إعتصام مجلس الوزراء ...إتصلت "لبنى" على "اشرف" خطيبها الطبيب الشاب تستشيره فوافقها على شرط أن تعود إلى البيت إذا ما تطورت الأمور........ونزلت "لبنى"....كان الأحداث ساخنة وتطور الأمر من الهتاف إلى التصادم والتراشق وأناس بملابس مدنية وعسكرية إعتلوا سطح مبنى مجلس الوزراء يقذفون المعتصمين بكل ما تطاله أيديهم ثم أنقضت قوات الجيش في عراك وضرب وتنكيل غير مبرر.......وأخذت "لبنى" تجري مبتعدة فتعثرت وسقطت فأمسك بها رجلا بملابس مدنية وجرها من شعرها جرا إلى داخل مبنى صغير...وألقاها داخل غرفة رثة حقيرة وهو يقول في شماتة..إبأي قابليني لو خرجتي من هنا تاني يا بنت الــ.......وخرج...وظلت "لبنى" ترتعش وهي لا تدرى ماذا سيفعل بها...كان خيالها يقفز إلى صور ترعبها وتخلع قلبها...خاصة وأصوات صرخات من غرف مجاورة تصم أذنها وتلقي في قلبها خوفا على نفسها...وعلى بلدها أيضا......مرت ساعة وربما أكثر...ليفتح باب الغرفة ويدخل منها...إبراهيم شاهين...يعلو وجهه نظرات باردة وإبتسامة كشفت عن أسنان صفراء قذرة تأكلت من كثرة مداومته على التدخين...ملابسة تبدو متسخة ما يؤكد أنه ضالع في تلك الأحداث بالخارج...تقدم منها بخطوات بطيئة باردة ...تراجعت "لبنى" قليلا في توتر...سألها:أنتي منين يا بت؟؟ كانت هذه المرة الأولي التي يناديها أحد بهذا اللفظ..."بت" عاشت لبنى في بيت يغلب عليه الإحترام في كل شيء...كان أبوها يناديها"بنيتي" وأخوها يناديها "أختي" وخطيبها يناديها"حبيبتي"...وتلك هي المرة الأولى التي تنادى فيها بكلمة"بت" خرجت الكلمة لتشق ضلوعها وتزيدها خوفا....فاجابت في صوت حاولت أن يكون متماسكا: من مدينة نصر....ثم أنتفض جسدها كله وصرخت عندما هوى إبراهيم على وجها بصفعة قوية وجذبها من شعرها صارخا فيها:ولما انتي من مدينة نصر إيه اللي جايبك هنا يا روح أمك؟؟؟ انتي عاملالي نفسك ثورجية؟انتي هتدفني هنا وده أخر يوم في حياتك...ثم دفعها إلى الحائط فاصدم به رأسها وسالت الدماء من جبهتها وسقطت مغشي عليها....تقدم إبراهيم من جسدها الملقى على الأرض يتأمله في خسه...ثم مد يده يتحسس خدها الرقيق ونظرات الجشع تعلو وجه البغيض...وسيلا من مشاهد طفولته التعسه تتزاحم أمام عينيه....وببرود...مزق ملابسها...محاولا العبث بجسدها الطاهر....وتسمرت يده عندما على صوت خارج الحجرة ثم طرقات عنيفة...فقام إلى الباب يفتحه...فوجد أمامه لواء جيش وهو يقول في لهجة أمرة...أخرج الفتاة.....نظر إليه إبراهيم في دهشة ثم قال ساخطا:لكن يا فندم دي بتكره البلد وكانت عايزة......قاطعه اللواء في حزم:أخرجها أحنا مش ناقصين مشاكل مع القنوات الفضائية وجاء أثنين من العساكر يحملانها إلى الخارج وعيون إبراهيم تتابعان جسدها النحيل وفي عينيه نفس النظرة التي تحمل.........الغل!!!.
لم تتذكر "لبنى" ما حدث لها بعد أن فقدت وعيها لكن ملابسها الممزقة جعلت أسوأ الروايات سردا تقفز إلى مخيلتها الطاهرة فظلت تنتفض وتبكي بحرقة حتى عادت إلى البيت ولا تدري كيف عادت...ظل هاتفها يرن...إنه "أشرف" يتصل يريد الإطمئنان...تلقت إتصاله في صمت وهو يهتف..."لبنى" أأنت بخير؟؟ "لبنى"!!! لم يجد إجابة لديها إلى صوت بكاء خافت تسلل إلى أذنه فأغلق الهاتف وأسرع إلى بيتها.....وأستأذن والدها ليناديها...فجاءت منهكة متعبة مصدومة...نظر إليها بعين حانية وسألها:ماذا حدث؟؟؟ نظرت إليه وجسدها ينتفض وأجابت:لا أدري....فقدت وعيي داخل غرفة وعندما أفقت كانت ملابسي ممزقة و....وأجهشت بالبكاء...بكاءا حارا ساخنا....و"أشرف" صامت...صمت المحب الجريح المصدوم في شرفه وكرامته...سألها في حنان بالغ:من الذي فعل ذلك...أجابته وهي تبكي:سمعتهم يقولون أنه رائد يدعى إبراهيم وهناك من أخبرني أنه اسمه إبراهيم شاهين....ومضت عيون أشرف بوميض غاضب ثم ربت على كتفها مهدئا وقال لها..أذهبي فاستريحي ولا تلقي بالا فهذا نصيب من يحب بلاده ويدافع عنها...وقام منصرفا ...وأتصل بصديق له يعمل نقيبا في شرطة السياحة وسأله عن إسم إبراهيم شاهين...وتعلل لصديقه أنه يريد أن يوصل له رسالة من صديق مغترب... أمده صديقه النقيب بكل ما يحتاجه من معلومات عن إبراهيم الصياد...أين يعمل..متى تبدأ نوبة عمله...متى تنتهي......وفكر "أشرف"...وخطط....وعقد النية...........
ترجل الرائد إبراهيم شاهين من سيارته بعيدا عن مقر عمله خوفا على سيارته أن تصطدم بها سيارة أخرى...ففضل ان يصفها في مكان غير مزدحم...ناداه صوت من خلفه...الرائد إبراهيم؟ إلتفت في حدة : متسائلا:إنت مين.....أتاه الصوت وقد خيم الظلام فوق جسد متحدثه فأخفى معالم وجهه:أشرف.....إبراهيم بنفس الحدة:أشرف مين ياض وتعرفني منين وفين بطاقتك؟؟ ضحكة عالية مجلجلة من "اشرف" ألجمت إبراهيم ....أشرف:ملكش الحق تسأل خلاص يا إبراهيم باشا...الجثث مش من حقها تسأل...حاول إبراهيم أن يستل مسدسه في سرعة فقفز "أشرف" وهوى بصفعة شديدة على وجه "إبراهيم" فأسقط المسدس من يده وجذبه "أشرف" من شعره وهي يقول في صوت بارد: بنفس هذه الطريقة صفعت الفتاة المسكينة ...أكنت ترى نفسك رجلا حينئذ؟؟؟ ام كنت ترى نفسك غراب ينعق فوق جسد الشهداء؟؟؟ ثم أخرج سكينا من سترته....فارتعش جسد "إبراهيم" خوفا وهلعا...وأشرف يتابع:إن من يعتدي على بناتنا وعلى أخواتنا....وعلى زوجتي...لا يستحق أن يعيش يوما....وأنهال طعنا على جسد "إبراهيم" ولم يتركه إلا بعد أن فارق الحياة.....ثم جلس بجوار جثته وهو يقول في عزة:بناتنا ليست للصفع والركل والتنكيل ....وبصق على وجه "إبراهيم شاهين"...وهم بالإنصراف وإذا بيد تكبله من الخلف ورجل عجوز يصرخ....قاتل...لقد قتل رجلا ويريد الهرب...تجمع بعض المارة في ذلك الوقت المتأخر وهو ينظرون في خوف وقلق وعيونهم تنتقل بين جثة "إبراهيم" و"أشرف " المكبل من الرجل....صاح فيهم "أشرف" :هذا الغراب الذي ترونه ضابط شرطة إعتدى على شرف خطيبتي لأنها ثارت من أجل هذا الوطن فثأرت لها وقتلته...لانت يد الرجل الذي كان يكبله وتلعثم قليلا وتغيرت نظرات المحيطين وتحولت إلى نظرات ساخطة تصب على جثة "إبراهيم" ثم هتف أحدهم الواقفين ساخرا: مين اللي قتل الجدع ده يا جماعة؟؟ حد يعرف؟ ليهتف الجميع: العلم عند الله.....وقالوا لـ"أشرف" في صوت واحد:إذهب وتوارى فنحن لم نرك....وإبتعد أشرف...يحمل كرامته.......وشرفه المصان.
عودة إلى المشهد الأول....العقيد حسام يشق الصفوف ليفحص جثة "إبراهيم شاهين" ثم يقف منتصبا يرمق الجميع بنظرات تحمل كثير من الشك وهو يسأل: هل يعلم أحد منكم من قاتله؟؟ جاءت الإجابة جماعية: لأ بس أحنا عايزين نقول للميت كلمة لو ممكن...علت نظرات الدهشة على وجه العقيد حسام وقال:عايزين تقولوا كلمة لـ جثة؟؟ كلمة إيه؟...تقدم الجميع ناحية الجثة وفي آن واحد قالوا: إتفووووووا.........وأنصرفوا جميعا والعقيد حسام غارق في حيرته...تماما.

ملحوظة: جميع أسماء الشخصيات خيالية وأي تشابه بينها وبين أسماء حقيقية هي من قبيل المصادفة البحتة ليس إلا.

الأحد، 18 ديسمبر 2011

سبوت على فيلم "إكس لارج"

صراع بين "مجدي" المحب و"عادل" الوهمي
"إكس لارج"...العبور فوق ما ترغب للفوز بمن تحب
·       أحمد حلمي يمتطي جواد الأفكار اللامعة والأطروحات الغير مسبوقة
·       إستسلام عادل لمعطيات حياته كانت العثرة الكبرى نحو التغيير
·       "الخال" هو المحرض الأول لثورة عادل على ذاته
·       الحبيبة كانت الدافع الأقوى لتغلب عادل على إستسلامه لأرطال جسده
·       الفيلم يعلمك كيف تثور وتقفز بالتغيير نحو حياة أفضل
ياسر صديق
هناك نوع من الأفلام تتلاشى مشاهدها من أمام عينيك وانت جالس تشاهدها دون أن تترك في نفسك أثرا يذكر ولا حكمة تدرك ولا تثير في نفسك تساؤلا واحدا وبمجرد خروجك من دار العرض تنخرط في مشاغل حياتك ناسيا ومتناسيا ما كنت تشاهده منذ قليل...ونوع أخر من الأفلام تجعلك مشدودا منغمسا حتى أذنيك في كل لقطة ومشهد يمر عليك أثناء متابعة الفيلم ، وهذه نوعية تكون في الغالب تمس شيئا بداخلك أو تطرح فكرة تستحوذ على كل يقينك وإنتباهك ومداركك...وفيلم "إكس لارج" بدون شك من النوعية الثانية...تلك النوعية التي إمتطى أحمد حلمي جوادها متفوقا ومتفردا بين أقرانه من نجوم الشباك فكل فيلم جديد يعلن عن طرحه في دور العرض يحمل إسم حلمي ، يلهث الجمهور ورائه وهم على يقين أنهم بصدد قصة غير عادية وأداء تمثيلي فوق كل التوقعات ، ورؤية إخراجية وحبكة درامية ستستحوذ ولا شك على كل ملكاتهم وحواسهم.

مجدي المحبوب الباحث عن الحب
فيلم "إكس لارج" يحكي عن رسام الكاريكاتير "مجدي" الشاب السمين الطيب العاشق للطعام بنهم شديد ، محبوب من زملائه في العمل بل وزوجات وخطيبات أصدقائه أيضا ويعتبرونه مستودع أسرارهم ومستشارهم العاطفي ، يعيش وحيدا وليس له في الدنيا إلا خاله "الممثل إبراهيم نصر" يزوره من حين لأخر ويعتبره مجدي بمثابة الأب ومستشاره النفسي والعاطفي.
يحل "مجدي" مشاكل أصدقائه العاطفية في حين يبحث هو عن الحب ويجد في سمنته وحجمه الضخم عائقا أمام أن يجد حبيبته المجهولة فمن هذه التي سترضى بحبيب ضخم الجثة ثقيل الوزن يأكل كثيرا وينام كثيرا ويعتبر هاتين العادتين هما قمة متعته في الدنيا.
عن طريق الفيسبوك يحاول "مجدي" البحث عن صديقته إبان طفولته وبالفعل يجدها والتي تودي دورها "دنيا سمير غانم" ، ويبدئان في التواصل عبر الفيس وتخبره أنها مقيمة في دبي وتبدأ في تخيله بعد كل تلك السنين لتضعه في مأزق حقيقي وعقدة مزمنة عندما تتخيله طويلا وسيما ذو جسد رياضي مشبهة إياه بالممثل الوسيم "أحمد عز" فيسقط في يد "مجدي" ولا يدري ماذا يفعل ، تمر عدة أيام وتخبره صديقة الطفولة أنها ستعود إلى مصر خلال أيام لتستقر هناك ، يستعين "مجدي" بخاله مستشيرا إياه بحثا عن الحل فيخبره خاله أنها لو أحبته فيجب أن تحبه لشخصه وليس لحجمه أو وسامته أو سمنته أو وزنه ، فيصعب ذلك على "مجدي".
المواجهة الأولى
تصل حبيبته إلى المطار ويقف هو رافعا لافته مكتوب عليها إسمها وعند المواجهة الأولى بينهما لا تتعرف عليه وتسأله مستفسرة"أين مجدي"!!! فيعرف في قرارة نفسه أنه لا يمكن مواجهتها بحقيقة أنه مجدي حتى لا يفقدها فيخبرها أنه "عادل" أبن عم مجدي الذي باغتته رحلة عمل طارئة إضطرته للسفر فجأة وأنه أوصاه أن يكون في إستقبالها وتحت تصرفها ، وعبر مشاهد كوميدية إجيد حبكتها يخضع "عادل" أو "مجدي" لحبيبته ونراه معها في كل مكان تذهب إليها لعل هذا يكون فرصة للتقارب أكثر بينهما محاولا في الوقت نفسه أن يجعلها تكره "مجدي" الوسيم اللطيف المفتول العضلات دون جدوى.
يلح خال "مجدي" عليه أن يواجهها بحبه وأنه مجدي وليس "عادل" وأنه يجب عليه أن يبدأ في عمل رجيم قاسي حتى يخسر كل وزنه الزائد ناصحا إياه بألا يقع في الفخ الذي سقط فيها هو عندما كان في مثل سنه وفقد حبيبته بسبب وزنه الزائد أيضا ، لكن "مجدي" يرفض ذلك لأنه شديد الحب والتعلق بالطعام فينهره خاله في مشهد دراماتيكي ويخبره أنه لا يريد أن يراه ثانية إلا عندما يقرر أن يخسر وزنه ويواجه حقيقته وذاته بالصورة التي يجب أن يظهر عليها.

يعيش "مجدي" في صراع حقيقي بين عشقه للطعام وحبه لخاله ورغبته في الارتباط بمن يحب فتكون وفاة خاله هي الفيصل والقشة التي قصمت تردده ، خاصة بعد أن ذهب إلى حبيبته وصارحها بحبه بالطريقة التي يجيدها ...طريقة فن الكاريكاتير...فتخبره في حزن أنها تعتبره صديقا ليس أكثر فيزيد هذا من يقينه أن مظهره وهيئته هما العاملان الأساسيان في سبب رفضها لحبه.

القفز فوق الرغبات
وعن طريق صديق قديم مشاكس يبدأ "مجدي" رحلته في تنظيم وزنه وفي مشهد أخير مبهج يقيم صديقه حفل يعلن فيها عن إعداد مجلة "كاريكاتير" برئاسة "مجدي" إستعان فيها بأشخاص من حياته الحقيقية ليظهر بعدها "مجدي" وقد فقد أغلب وزنه وسط فرحة أصدقائه وحبيبته.
"إكس لارج" فيلم مبهج وإنساني إلى حد مذهل ، فهو يجعلك تحب كل شيء ، تحب كونك ما أنت عليه وتحب ما يجب أن تكون عليه ، يجعلك متسق مع ذاتك وثائر عليها في نفس الوقت ، فيلم يجعلك شديد التعلق بالفكرة وليس بالنجم وتلك هي نوعية الأفلام التي يجب أن يتوجه إليها الجمهور...النوعية التي تداعب عقله وتحفزه على مناقشة ما يراه ويشاهده.
أحمد حلمي قدم شخصية "مجدي" البدين بمنتهى الإحترافية ...صوته وحركة جسده ونظراته وسكناته وطريقة نومه تجعلك يقينا تشاهد شخصا سمين وليس "حلمي" الذي تعودنا أن نراه.
"إكس لارج" بطولة أحمد حلمي ودنيا وإيمي سمير وغانم وإبراهيم نصر وياسمين رئيس ومحمد فهيم وتأليف أيمن بهجت قمر وإخراج شريف عرفة ويعرض في دور العرض السينمائي في الكويت يوم 22 ديسمبر الجاري.

الخميس، 15 ديسمبر 2011

نظرة على رحلتي إلى مصر

رحلتي إلى مصر...الميدان وعائلتي....وقلب من ذهب
عدت من مصر...وكأنني قد عدت من كل شيء إلى اللاشيء...بلا شك أن تلك الرحلة قد غيرت بداخلي الكثير ، وبدلت في أعماقي أشياء وأشياء ، أماتت أحلام كثيرة وأحيت أمال أكثر، عندما شرعت في السفر كنت أستشعر أني في أمس الحاجة إلى تلك الرحلة ...والآن وقد عدت أستطيع القول أنني تلك الرحلة كانت هي الفيصل بين حياتين...حياة عشتها جرفتني فيها أميال من المشاعر وقطعت فيها ألاف القرارات ندمت على بعضها وراض عن أكثرها وما زلت حائر في قليل منها!!! وحياة أخرة مهدت لها عبر رحلتي هذه...رأيت أمي ...مشيت داخل ميدان التحرير وتحسست أرضه مقبلا ومطأطئا رأسي إجلالا لشهدائه الأبرار.
لكن يبقي الآثر الأكبر عبر رحلتي تلك يكمن في عائلتي...أشقائي وشقيقاتي ...وأمي...لقد رأيتهم في رحلتي تلك بعين غير التي تعودت أن أراهم بها..عين غلب عليها الدفء والحب...لقد تغيروا بعض الشيء...أو قد أكون أنا الذي تغير وأصبح يرى العالم كله بعين متغيرة.
رأيت شقيقتي الكبري ...هي أكبرنا جميعا...هي أختي من أبي ....وأكثرنا شبها به...ربما لأنها تشترك مع أبي في سمرة البشرة ليس إلا...تتميز "سلوى" وهذا أسمها بخفة ظل لا تخطئها عين وضحكة تجبرك إجبارا على أن ترى القادم أجمل...لم تعش سلوى معنا منذ الصغر...تربت مع والدتها في منطقة المعادي وكنا نراها إبان فترة طفولتنا على فترات متباعدة...كبرت وتزوجت من رجل طيب وأنجبت منه بنتان وولد أصبحوا الآن في ريعان الشباب ، سلوى...تبقى الأقرب مهما بعدت والألذ مهما غابت...والأكثر حنانا مهما إنشغلت عنا بحياتها وأبنائها...سلوى شقيقتي الكبرى...ما أجمل أن يكون للمرء شقيقة بهذه الروعة.
نجلاء...شقيقتي ...تكبرني بعامين...كنا ونحن صغارا يظنوننا "توأم" من شدة التقارب بيننا في الشبه ، نجلاء لها طبيعة خاصة تنفرد بها عنا جميعا كأخوة...فهي أكثرنا حماسا وتصميما على تحقيق ما تريد مهما كانت المعوقات وأكثرنا قدرة على أنتزاع الضحكات ورسمها على شفاهنا رغم انها عانت كثيرا ودفعت ثمن قرارات خاطئة إتخذتها في حياتها وأتخذناها معها بصمتنا وشح النصيحة الذي أصابنا جميعا فلم نحذرها بما يكفي...تزوجت نجلاء ولم توفق في إختيارها وخرجت من تلك الزيجة بـ"ملك" إبنتها هي كل حياتها وتعيش من أجلها...وتعمل من أجل إسعادها ...شقيقتي مدرسة جغرافيا....علاقتها بتلميذاتها في غاية الخصوصية والكوميديا معا...وعلاقتها بزملائها ورؤسائها أكثر خصوصيا وسيكودراما...متدفقة في مشاعرها...ضاحكة على الدوام...في رحلتي تلك...كنت أبيت الليل في شقتها...فرأيت عن قرب مدى الإجهاد الذي تلاقيه في يومها ورغم هذا...لا تفارق الضحكة شفتيها...منطلقة على الدوام....نجلاء...هي أكثرنا أملا رغم الإحباطات التي مرت بها...وأشدنا إصرارا وحماسا رغم كل ما لاقته...نجلاء شقيقتي الكبرى...سحابة من الضحك المتواصل تظلل على بيتنا.
علياء...شقيقتي الصغري...تصغرني بثلاثة أعوام..."توأمي معنويا" ...هي أكثر أخوتي تقاربا مني في الشخصية...وأكثرهم تفهما لطبيعة تكويني...تعرف ما يسعدني وما يحبطني وما يدور في رأسي حتى قبل أن أتحدث...الحديث بينا لا يحتاج إلى شرح وإسهاب...تكفي رؤوس المواضيع ليعرف كل منا ماذا يريد الآخر...علياء ....تشاركني في العند...والعصبية أيضا...شخصيتها صلبة إلى حد بعيد...لذلك ما زالت تتردد في مسألة الزواج خشية أن تتورط في أحدهم فيكون أضعف منها شخصية وأقل منها قدرة على إتخاذ القرار فتشعر أنها زوجه وليس زوجته...منذ اليوم الأول في رحلتي أخذتها ونزلنا إلى ميدان التحرير...كان من المستحيل أن أكون هناك بدونها...سرنا إلى الميدان وكانت دقات قلبي تعلو كلما إقتربنا منه...كان الباعة الجائلون يملؤنه وفي منتصفه كان يوجد بضع مئات من الشباب والشابات يتحدثون في الميكروفون محمسين الناس وشارحين لهم طبيعة الأوضاع الآن .
كانت شقيقتي تحثني على الوقوف للإستماع إلى ما يقوله الشباب وانا عيناي معلقتان على بائع "حلبسة" يتوسط الميدان ...قالت لي تعالى لنستمع...قلت لها تعالي لنشرب "حلبسة" قالت:نستمع...قلت:نشرب "حلبسة" قالت:نستمع...قلت:نشرب حلبسة...وبعد عشر دقائق كان المشهد كالأتي....أنا وعلياء نقف بجوار عربة "الحلبسة" منشغلين بشربها ساخنة وظهرنا للميدان وللشباب أيضا.
علياء هي أكثر الشخصيات التي تذكرني بأجمل أيام حياتي فلقد شاركتني في كل القرارات التي إتخذتها في تلك الفترة بل وكانت تساعدني في التخطيط حتى في أموري العاطفية وقتئذ!!!...في اليوم الثاني من رحلتي...مشينا نتحدث...وظللنا نتحدث ونتحدث وننتهي من موضوع لندخل في الأخر والهواء منعش والقاهرة جمالها يأخذك في الليل ...لنفاجأ أننا قد مشينا من الجيزة وحتى منطقة عماد الدين دون أن نشعر...علياء في عيني...هي مصر التي أحببتها...علياء هي الوحيدة التي أشعر إتجاهها أنها شقيقتي الصغرى التي تغمرني بحنان تجعلها الكبرى دائما...صادف أول أمس أن كان عيد ميلادها...كل عام وهي ...شقيقتي الأجمل.
أمي...أخبرتني شقيقي قبل أن أصل أن أمي قد كبرت كثيرا وظهرت عليها ملامح العجز وأن السنين قد فعلت فيها فعلتها...ولكني عندما رأيتها للوهلة الأولى وجدتها لم تتغير أبدا...هي نفسها أمي...بطيبتها...وحلاوتها...وجمالها الحاني...أجمل ما في أمي هي قدرتها الفذة على الطهي ولا عجب إن قلت أن أكلاتها المميزة كانت من ضمن الأسباب الأساسية وراء قرار سفري هذا....أمي جعلتني أشعر أنني شهريار يأمر فيطاع...غدا أريد أن أكل كذا ...حاضر...كانت تلبي فرحة بعودتي...هي ما زالت هي...بقلبها النقي وتلقائيتها وسذاجتها المحببة لي على الدوام....عند سفري...بكت أمي...كان بكائها مؤثرا ودموعها الدافئة ما زالت تبلل يدي حتى هذه اللحظة...أمي...عندما رأيتها حمدت الله على نعمة أن يكون للمرء أم كهذه...لأ أظنني أستطيع أن أنسى دموع أمي يوما.
هناك في مصر...كان هناك قلب يرفرف بجناحيه حولي...قلب ظهر من العدم...لكنه أستقر داخلي...ولا أظنه سيغادرني يوما...الطهر أكثر ما يميز هذا القلب...والضحكة الصافية كانت جواز مروره إلى روحي ...وعقلي أيضا...تحدثنا...وضحكنا...وتذكرنا أيام ما كنا صغارا...قلب نابض...حي...تواعدنا...وتعاهدنا...وأنا باقي على العهد....حتى أعود إليه مرة أخرى...في القريب.
في رحلتي إلى مصر...غسلت قلبي...وروحي..من جديد...وعاهدت نفسي وربي ألا أسجن داخل قوقعة هلامية من المشاعر السلبية مرة أخرى...إلى مصر ...وطني...كل التحية...وكل الحب...وإلى من كانوا حولي ....أقول...أنتم فقط من تصنعون حياتي....كل الحب لكم.

الأحد، 27 نوفمبر 2011

دماء على أرض الميدان

على أرض التحرير...قابلته....رامز جبرائيل
الإسم:رامز جبرائيل
الجنسية:مصري
الديانة:مسيحي
السن:23 عاما
الكنية: ميزو "كما كان يحب أن ينادونه"
محل الإقامة:مدينة الفيوم
التاريخ:18 نوفمبر 2011
في هذا اليوم نزلت إلى الميدان تتفحص عيوني الوجوه بشوق بالغ...كنت قد وصلت لتوي إلى مصر عائدا من غربتي أشتاق لكل ما هو مصري...ورغم أن تلك البلدة الخليجية الصغيرة تكتظ بألاف المصريين إلا أنني دوما كنت أرى وما زلت أرى أن الغربة تفسد سمات الشخصية المصرية وتمسخ ملامحها جراء البعد عن الوطن واللهث الدئوب وراء المال، لذا بمجرد وصولي إلى مصر نزلت إلى الميدان الذي بات يغلي جراء الأحداث التي يعيشها كل المصريين ، كنت الوحيد الذي يصطدم بالناس فيبتسم لهم محييا أو معتذرا وكأن نفسي تاقت إلى ذلك الإلتحام والزحام الذي إبتعدت عنه طويلا رغما عني.
كان الأمر معقد وخطير للغاية دخان القنابل يصل إلى أبعد مدى فيزكم الأنوف ويشل رئتيك فلا تملك إلى أن تعدو مبتعدا أو ترتدي كمامة أو تسعل باكيا حتى تفقد وعيك ، وكل هذا كان يبدو لي عظيما وشريفا ونبيلا ، كنت أفتقد ذلك التواجد إبان ثورة 25 يناير الطاهرة ، كنت حيث أنا مغتربا أتابع ما يحدث في مصر تكاد الغيرة على بلدي تقتلني...وكان معي قلبا أخر حينذ يشاركني غيرتي ويشد على يدي مصبرا وأربت على كتفه مواسيا.
في زحمة الميدان وتخبطه والجري هنا وهناك وقفت مستندا على حافة الحديقة التي تتوسطه...ورأيته يقترب مني...شاب في أوئل العشرينات ذو شعر أشقر وملامح ريفية محببة تبدو لي نظراته حائرة بعض الشيء وفي عينيه يقينا أبصرته جليا واضحا...إقترب واسند ظهره بجواري وهو يلهث والكمامة تغطي نصف وجه والزحام حولنا شديد وخانق..إلتقت نظراتنا إبتسمت له فبادلني الإبتسام ....ثم أشاح بوجهه عني يتابع حديثا يجري بين شابتين يتحدثان عن توحش الشرطة...ثم نظر ناحيتي فوجدني ما زلت أرقبه فأشاح عن وجه الكمامة وسألني في حذر: تؤمر بخدمة؟ أعجبتني لهجته الريفية فاتسعت إبتسامتي وقولت له:عايز سلامتك...أصلك وحشتني....نظر إلي في تساؤل وقال:حضرتك تعرفني ؟ قولت له في ود:معرفكش بس اللهجة بتاعتك بئالي سنين مسمعتهاش....إقترب مني مقدار خطوتين وسألني في حذر:هو الأستاذ منين...ضحكت له مجيبا:الأستاذ من الجيزة بس بئالي سنين برة مصر وبحب لهجة أهل الفيوم....إبتسم لي إبتسامة أحببتها وفتح ذارعيه قائلا:وانت كمان وحشتني ...وأحتضنني...كان شابا ودودا يتسم بالظرف قادرا على الإبتسام رغم رائحة قنابل الغاز التي تغرقه وملابسه التي تمزقت جراء التدافع والتصادم....سألني:الأستاذ إسمه إيه؟ قلت له:إسمي ياسر من غير أستاذ....ثم سألته:وانت اسمك إيه؟ بدت على ملامحه بعض التردد ثم أجابني بصوت خافت:رامز....ضحكت له قائلا: وموطي صوتك ليه ده حتى إسمك حلو؟ بدى على وجه ملامح الخجل وقال لي بنفس الصوت الخافت:رامز جبرائيل....مسيحي.....نظرت إليه مبتسما وقلت:منور الميدان يا رامز ويا ريت كل الشباب زيك...إبتسم لي في فرح وقال بحماس:الشباب اللي زيي هنا وأحسن مني كتير أنا بحاول أكون زيهم...سألته:وانت ايه اللي جابك من الفيوم لهنا يا رامز؟ نظر إلي نظرة طويلة وقال:شفت أهالي الشهداء بيتضربوا ومصابي الثورة بيتهانوا والثورة بتتسرق وشباب بيقع فقررت انا وشوية صحاب ليا ننزل نشارك بأي شيء...ربت على كتفه محييا....ثم جذب أبصارنا رؤية شابا محمولا على الأكتاف أخذوه إلى مسجد عمر مكرم للعلاج وقد إخترق خرطوش الشرطة إحدى عينيه وذراعه تنزف دما فذهبنا خلفه نساعد بما نستطيع....الصراخ والعويل والكر والفر يجذب مسامعك من كل مكان في الميدان وهاتفي يرن ولا أجد الوقت لأرد على المتصل ولا حتى النظر إلى الهاتف لأعرف من....كل شيء حولك يحدث يأسرك تماما...شعرت أن التاريخ قد إنزوى هنا يسجل كل لحظة طاهرة تمر على ذلك الميدان ....مكثنا بعض الوقت نساعد الجرحى ونحمل إحداهم إلى الدراجة البخارية كي تنقله إلى أقرب مستشفى.
عدت حيث كنت ووقفت متاملا الميدان رأيت فنانين شرفاء يشاركون الشباب الموت والهتاف لحظة بلحظة...ها هي شيريهان تتوسط مجموعة من الفتيات وتبكي على كل مصاب يمر أمام عينها...وخالد الصاوي يسعل مختنقا من قنابل الغاز وهو يصراخ لاعنا الشرطة والمجلس العسكري وكل من يقتل شبابنا الطاهر...وعمرو واكد يحمل الطعام والماء لشباب الميدان...رأيت الفنان خالد النبوي يتحدث إلى مجموعة من المثقفين في حماس لا ينقطع...رأيت وجوها مضيئة تصدرت المشهد وكانت جزءا منه.
وقفت أرقب بتأمل وما زال الشوق يملؤني للميدان وانا واقف في منتصفه...أبصرت رامز يقترب مني مرة أخرى يكاد الإنهاك والتعب يقتلانه، إبتسمت له مشفقا...رأيته يسألني:هما بيعملوا فينا كده له؟ نظرت إليه في ود وسألته:هما مين؟ أجابني: الشرطة....قلت له بنبرة حاولت أن تكون هادئة:لأنهم إتربوا على كده وثقافتهم كده ورؤسائهم أمروهم بكده....نظر إلي رامز وظهرت على وجهه علامات الغضب وقال:لكن دول مصريين زينا والمفروض يكونوا معانا مش علينا....وضعت كتفي على كتفه وهمست له مبتسما:إظاهر أنهم مش واخدين بالهم من الحتة دي.....إبتسم لي إبتسامة خفيفة ثم سألني:إنت بتشتغل إيه يا أستاذ؟ قلت له ضاحكا ومؤنبا:أنا مش أستاذ...ضحك وعاد يسألني:طب بتشتغل ايه ياللي مش أستاذ؟ ضحكت لضحكته البسيطة وأجبته: أنا صحفي في جريدة خليجية...يبدو أن الإجابة كان خارج إطار توقعات رامز رأيت الدهشة تعلو وجهه وينظر لي غير مصدقا ويقول: صحفي!!! يعني بتكتب في الجرايد!!! ومش عايزني أقولك يا أستاذ؟ ضحكت وأجبته:أنا ياسر ومن غير أي أستاذ....إبتسم وسألني في خجل:هو احنا كده بئينا أصحاب خلاص؟ قلت له بصفاء ملأني:إحنا إخوات يا رامز مش أصحاب ومن انهاردة.....ظهرت السعادة على وجهه البريء النقي القروي ولعله لم يكن يدري أنني سعيد بأخوتنا أكثر منه....إبتعد عني رامز بضعة أمتار ورأيته يتحدث في هاتفه فقولت له بصوت عالي ضاحكا: طب والنبي ده وقت كلام مع الحب يبني إحنا في ثورة....ظهر على وجه علامة الخجل وأشار ليه بيده بعلامة النفي وهو يكمل مكالمته دون أن يجيب....إنشغلت عنه قليلا برؤية سيدة عجوز تريد عبور الميدان فذهبت إليها ممسكا يدها لنعبر الطريق سويا وسألتني:هو في ايه يبني؟ أجبتها:ثورة يا حاجة...فقالت:يا رب أنصركوا...فأجبتها:أمين .....عدت حيث كنت وكان رامز قد إنتهى من مكالمته...سألني مفاجئا:بتحب تسمع مين من المطربين؟ إبتسمت له سائلا:إشمعنى؟ قال:عايز أعرف ذوقك...أجبته:بحب محمد منير.....ضحك ضحكة عالية مجلجلة ثم إختنقت ضحكته بفعل الغاز وظل يسعل قليلا ثم قال:أنا كمان بحب محمد منير وحافظ كل اغانيه...عارف أكتر جملة بحبها في أغانيه إيه؟ سألته:إيه؟ أجابني:" الناس نامت إلاي الناس نامت إلاي واقفلك في الشباك بستنى اليوم الجاي ..يمكن يسقينا الشاي ...يمكن يعطينا الناي...أنا قد الهوى وقدود لو حتى الهوى نساي...الكون بيضيق ويضيق لكن أنا قلبي براح باصص على مين يا صديق ...على طفل معاه مفتاح".....وصمت رامز...صمت كأن الكلمات قد أيقظت بداخله شيئا...ونظر إلي صامتا...قلت له في صدق:إنت إخترت أبلغ كلام يعبر عن اللي أحنا فيه يا رامز...فكرر مرة أخرى بعين دامعة: "الكون بيضيق ويضيق لكن انا قلبي براح باصص على مين يا صديق على طفل معاه مفتاح يمكن يسقينا الشاي يمكن يعطينا الناي..أنا قد الهوى وقدود لو حتى الهوى نساي"....ضممته إلي...ربما ضممته خوفا وهربا من أن يرى دموعي التي كادت أن تسقط من طريقة نطقه للكلمات!!.
أنتبهنا إلى صيحات شباب الميدان وهم يرددون: ضرب نار برصاص حي في شارع محمد محمود....جرى رامز ناحية شارع محمد محمود وهممت بالجري وراءه فأصطدمت عيناي بالسيدة العجوز تسقط أرضا جراء التدافع الشديد من شباب الميدان فأسرعت نحوها أحملها بين يدي وأجلسها فوق رصيف قريب ...كان وجهها مخضبا بالدماء فأخذت أمسحه عن وجهها بيدي وهي تقول لي:فداكم يبني دنتوا بتموتوا عشان البلد إيه يعني أنا لما ينزل مني شوية دم على الأقل أنا خلاص رايحة لكن انتوا اللي جايين ومعاكوا الأمل...قبلت رأسها إجلالا وحبا وطلبت من أحد الشباب راكبي الدراجات أن يحملها بعيدا حيث تريد الذهاب...والتفت على صيحات الشباب مقبلين حيث أقف حاملين أحد الشباب مضرجا في دمه وأدخلوه أحدى العيادات الميدانية...ذهبت خلفهم أتابع الحالة...لم أكن قد تبينت ملامحه بعد...شققت الصفوف الملتحمة ونظرت...كان رامز...رامز جبرائيل...فاقدا الوعي..ممددا على الأرض وقد فقد إحدى عينيه والدماء تسيل غزيرة من رأسه وعينه وقدميه...إقتربت منه وأنا أشعر بدقات قلبي تكاد تتوقف ألما وخوفا عليه...رفعت رأسه وأسندتها بين ذراعي...جاء أحد الأطباء الشباب لينظر حالته...ثم تمتم بكلمات غير مفهومة...سألته عن حالته فقال لي أنه قد فقد كمية كبيرة من دمائه ونبضه ضعيف وضاعت إحدى عينيه....نظرت إلى رامز في فزع وأسى...رأيته يفتح عينيه السليمة...وينظر إلى مبتسما...كان يبتسم وينظر إلى السماء كأنه يرقب شيئا ويتمتم ببضع كلمات لم أتبينها جيدا....قلت له:رامز أنت سامعني...قال:أيوة مش انت ياسر؟ أجبته بصوت باكي:نعم أنا ياسر ...صديقك...رفع يديه الهالكتين وأزاح عن رقبته قلادة يتدلى منها الصليب ووضعها بين يدي قائلا:هذه لأمي...أمانة...وأخذ يردد في صوت خافت ووجه مبتسم تغطيه الدماء: المجد لله في الأعالي وبالناس المسرة وعلى الأرض السلام...ثم سكن جسده بين يدي...مات رامز...في غمضة عين...كان منذ دقائق معي هناك...الآن ذهب...إنتقل إلى جوار ربه....دموع كثيرة حولي تبكي رامز وصرخات بعض الأخوات تصم الأذان...كان الكل لا يعرف رامز وكان الكل موجوع لفقده...إقترب بعض الشباب عرفت أنهم من أبناء بلدته ورفعوا جسده النحيل ليضعوه داخل سيارة عائدين إلى بلدته لإجراء مراسم الدفن...وأنا واقف متسمر حيث أنا لا ادري ماذا أفعل....نظرت إلى القلادة...وضعتها في جيبي...وأتخذت طريقي إلى منطقة ميدان رمسيس.
ركبت إحدى السيارات في طريقي إلى مدينة الفيوم...السيارة تقطع الأرض في سرعة كأنها تريد اللحاق بركب "رامز" الذي أضحى شهيدا وأحسبه كذلك إن شاء الله...ساعتين هما مدة الطريق من رمسيس إلى المدينة الصغيرة حيث بيت رامز...أو هكذا أظن...فالوقت لم يكن له أي صدى بداخلي في تلك اللحظات...سألت مرة ومرات عن بيته إلى أن أهتديت إليه...واضح أن نبأ إستشهاده قد وصل إلى بيته فمراسم العزاء تبدو جلية والحزن يخيم على المكان من حولي وصراخ وعويل النساء يصل إلى مسامعي.
إقتربت من مدخل البيت فخرج لي رجلا تبدو عليه علامات الحزن وعيناه تخبران عن دموع فاضت وجفت منذ لحظات...نظر إلي في تساؤل فأجبته موفرا عليه عناء السؤال:أنا صديق رامز من القاهرة ومعايا أمانة لأمه...تقدمني إلى داخل الدار وانا خلفه...ثم أمر النساء إلتزام الصمت وأشار لي بالتقدم...وتقدمت...أحاول عبثا إبتلاع ريقي الذي جف حزنا على الشهيد...وقفت أمام والدته التي كانت تبكي بكاءا شديدا..ظللت واقفا في صمت موجع إلى أن رفعت رأسها نحوي...جثوت على ركبتي امامها وقولت لها..عظم الله أجرك في رامز ...تمتمت بكلمات لم أفهمها...أمسكت يدها الحانية ووضعت فيها القلادة...أخذت تنظر إلى القلادة وتقبلها مرة..ومرة...ومرات وهي تبكي قائلة: أنت خلاص مشيت يا رامز؟ ظلت ترددها كثيرا والنساء حولها يبكين ...ثم نظرت إلي سائلة:إنت ياسر؟؟ قلت لها في دهشة:نعم ..عرفتي إسمي منين؟؟ اجابتني:رامز كلمني عنك....أتسعت الدهشة بداخلة وسألتها:متى؟ انا عرفت رامز لساعات في الميدان...كلمك عني إمتا؟؟ أجابتني وهي تبكي:كلمني في التليفون وقالي يا أمي أنا اتعرفت هنا بصديق صحفي إسمه ياسر وهو وعدني إننا بئينا أصحاب خلاص....كان وقتها يحادث أمه الباكية وقت ان داعبته مدعيا أنه يحادث حبيته...يا الله !!! أخذت أمه تبكي وتقول: مات رامز...رحل خلاص...أمسكت يدها وقبلت رأسها وقولت لها...يا أمي رامز ممتش رامز شهيد والشهداء احياء عند ربهم يرزقون...نظرت إلى بعين ذبحتها الدموع وهي تسالني..بجد؟؟يعني دينكم بيقول كده؟؟؟ أجبتها بصوت دامع: ودينكم أنتوا كمان يا أمي بيقول كده...وقبلت يدها وأنصرفت...قدماي ثقيلتان...ألجمهما الحزن ...,ألم الفراق...سقط رامز قتيلا شهيدا...ليصبح رقما بين أعداد الشهداء...قد يكون رامز جبرائل دمه رخيص عند من قتلوه من الجلادين والسفاحين...لكنه عند الله غالي...رامز جبرائيل...كان كل شيء فيه مصري...ضحكته الصابرة...عينيه المسامحة على الدوام...قلبه الوليد الطهور بنقاء القرية وبرائتها...كان رامز جبرائيل نسمة في برد الشتاء مرت على قلبي فنزلت عليه بردا وسلاما وكان رحيله نقطة دامية أسالت الدماء داخله فاوجعني فراقه وترك داخلي ندبة لا أظنها تندمل أبدا.
سلام على رامز جبرائيل...حيث كان..سلام على ذلك الطهر الذي إغتالته اليد المدنسة...كان رامز جبرائيل صديقي.........وسيظل كذلك....تذكروا ذلك الشهيد...رامز جبرائيل وتذكروا أحب الأبيات إلى قلبه: الكون بيضيق ويضيق لكن أنا قلبي براح باصص على مين يا صديق على طفل معاه مفتاح...يمكن يسقينا الشاي يمكن يعطينا الناي...أنا قد الهوى وقدود لو حتى الهوى نساي.

الثلاثاء، 22 نوفمبر 2011

إلى مصر...حيث الميدان

إني ذاهب إلى التحرير
إلى إخوتي من المغتربين الذين شاءت أقدارهم ألا يحضروا ويشاركوا في ثورة 25 يناير الطاهرة فتملكتهم الحسرة وعضوا أصابع الندم غيظا وحسرة...تاريخ مصر يسجل الأن من جديد وروائح الذكرى الثورية العطرة الزكية تنبعث من جديد فمن فاتته الـ18 يوما هي كل أيام ثورة يناير الزكية فلا يبتئس ففرصة المشاركة تتجدد على أرض التحرير...كلنا سويا يد في يد لن ندع الفرصة الثانية تفوتنا فلا نشارك أخوتنا في الميدان الإستشهاد أو تلقي إصابة العزة والطهر في الصدر أو البطن أو الأعين أو بتر ذراع أو ساق...ليس هذا وقت المشاركة بالمال أو الإكتفاء بالدعاء...إخواني المغتربين...من إستطاع أن يلحق بركب الطهر والنقاء والعزة...فليفعل...عن نفسي...إني مسافر إلى مصر...إلى التحرير...لأكون بين إخوتي.......لكم التحية.

السبت، 19 نوفمبر 2011

سبوت

فكرته تعد الأبسط والأروع حول الفتنة الطائفية
"وهلأ وين"...حكمة النساء منعت الفتنة أن تطل برأسها
ياسر صديق
شاهدت هذا الأسبوع فيلم " وهلأ وين" للمخرجة اللبنانية الطارحة للأفكار نادين لبكي ، الفيلم الذي نال عدة جوائز عالمية وعربية يجعلك تنحني إحتراما وإجلالا لعمق الطرح وبساطة التعامل مع قضية هي الأخطر ليس في لبنان وحدها بل في كل بلداننا العربية.
"وهلا وين" فيلم يحكي عن ضيعة صغيرة فوق تلة يسكنها خليط من العائلات المسيحية والمسلمة إبان الحرب اللبنانية في ثمانينيات القرن الماضي والأخبار كل يوم تتناقل عن سقوط قتلى بين المسلمين والمسيحيين إلا أن تلك الأخبار قد تصل أو لا تصل إلى الضيعة الصغيرة نتيجة سوء البث في تلك المنطقة النائية وهو ما جعلها في منآى عن حمى الصراعات الدينية .

في مشهد بسيط وتلقائي وعميق تصطف الأسر المسلمة والمسيحية جنبا إلى جنب لمشاهدة التلفزيون فتخرج قارئة النشرة لتعلن عن سقوط قتلي بين المسيحيين والمسلمين في وسط المدينة فما كان من نساء القرية إلا إفتعال مشاجرة مع أزواجهن كي تعلو أصواتهن فوق صوت التلفزيون فلا يسمعوا تلك الأخبار التي قد تشعل نار الفتنة داخل قريتهن وهن اللاتي يعيشن داخلها في محبة حتى أن "أمال" المسيحية صاحبة المقهى الصغير تقع في حب "ربيع" العامل المسلم.
ومشهد أخر شديد العذوبة عندما يقتحم قطيع من الماشية مسجد القرية فيخيل للمسلمين أنها عملية مقصودة من جانب المسيحيين وتقع مشاجرة بين الجانبين ويكسر "أبو أحمد" تمثال مريم العذراء فيتكاتف شيخ المسجد وقس الكنيسة من أجل التهدئة بين الجانبين في خطبة أقل ما توصف أنها رائعة.
"نسيم" صبي مسيحي يتعرض دائما لمشاحنات من أصدقائه المسلمين يخرج يوما في نزهة مع أخيه بالدراجة خارج القرية فيصيبه طلق ناري طائش من جهة غير معلومة فتصاب الأم بلوعة شديدة لفراقة وتقرر دفنه في البئر حتى لا يعلم أهل القرية بوفاته فتشتعل نار الفتنة بين مسلمي القرية ومسيحييها ، وتذهب تعاتب العذراء لأنها لم تحفظ إبنها في مشهد دراماتيكي مؤثر ، وعندما يعلم إبنها الأكبر بوفاة شقيقه ويفكر في الإنتقام تتصدى له وتطلق عليه رصاصة تصيبه في قدمه لتمنعه من المساس بأهل القرية المسلمين وهي لقطة تعد الأروع في سياق الفيلم.
تتفتق آذهان نساء القرية عن فكرة مذهلة فيعددن حفل عشاء لكل رجال القرية مسيحيين ومسلمين ويضعن داخل الفطائر والحلويات حبوب مخدرة ومهلوسة فيتناولها الرجال ويصابون بحالة من هيستريا الضحك المتواصل ليصبح أعداء الأمس أصدقاء اليوم.

يستيقظ رجال القرية في اليوم الثاني على مفاجأة مدوية فالرجل المسيحي يجد زوجته قائمة تصلي لله صلاة المسلمين والرجل المسلم يجد إمرآته وقد خلعت حجابها وأعلنت أنها مسيحية وعبثا يحاول الرجل التصدي لأفكار نسائهم حتى آن الأم المسلمة توقظ ولدها كي يصحبها إلى الكنيسة فيعتقد الولد أن أمه قد أصابها مس من الجنون.
يدرك الرجال أن نساء القرية كن أكثر تعقلا وحكمة وحبا لقريتهن منهم وفي مشهد ختامي يقرر أهل القرية دفن "نسيم" ويتوجهوا به إلى المقابر وعند الوصول إلى المدافن يتوقفوا فلا يعرفوا أن يدفنوه هل في مقابر المسحيين أم المسلمين!!! فيلتفت الرجال إلى النساء ويسألوا....وهلأ وين؟.
فيلم "وهلأ وين" صفعة على وجه كل المثيرين للفتن في كل زمان و مكان بل هو صفعة لكل من أبعد وأقصى المرأة عن ريادتها سينمائيا إلى أن أعادته نادين لبكي والتي ولا شك قد نجحت في ذلك عن جدارة .
نادين لبكي إختارت ممثلين لا يمثلون بل يتحركون أمام الكاميرا في تلقائية مدهشة حتى انك تتخيل أنه فيلم وثائقي مع أناس حقيقيون من أهل القرية .
"وهلأ وين" فيلم متواضع الإنتاج عظيم الفكرة مبهر في طرحه  حصل على جائزة الجمهور في مهرجان تورنتو في كندا ومهرجان ترابيكا في الدوحة ومرشح للأوسكار كأحسن فيلم أجنبي عن لبنات قامت بإخراجه والتمثيل وشاركت في كتابة السيناريو نادين لبكي وصاغ موسيقى الفيلم زوجها خالد مزنر والأزياء لشقيقتها كارولين لبكي وإنتاج آن دومينيك.