السبت، 12 نوفمبر، 2011

في مثل هذا اليوم...كنا هنا

حدث في مثل هذا اليوم
كنت بمفردي...داخل سيارتي...أستقبل شتائي وهو يأتي ضبابيا وقد بدأ الجو يرتدي غلاف البرودة نوعا ما....كان الشتاء دائما يلقي في قلبي دفئا أحبه...منذ صغري وانا أحب الشتاء...وكل خير يأتيني دوما يدق بابي في الشتاء ....هكذا تعودت...تركت سيارتي في نفس المكان الذي تعودت أن أتركها فيه منذ عام مضى...في نفس المكان ...ودخلت إلى هناك...حيث كنت أحب أن أتي منذ عام مضى...وكان ذلك في الشتاء أيضا...وقفت مترددا قليلا ثم عقدت العزم ودخلت...المكان يبدو لي على حاله تماما...حتى الطاولة التي تعودنا أن نجلس عليها كما هي...خالية كأنها بإنتظار عودتنا...وفي الطاولة التي تليها جلس نفس الوجه يدخن سيجارته ويتطلع في وجهي كأنه يسأل نفسه...أين كان هذا منذ زمن؟ تقدمت بخطوات بطيئة وجلست حيث تعودنا أن نجلس...جاءت أحدى الفتيات العاملات لتسألني عن طلبي...تسمرت قليلا تطالعني في دهشة كأنها إندهشت أنني بمفردي...بدونها بعد كل تلك المدة...إبتسمت في وجهي كأنها تقول لي طالت غيبتك...بادلتها الابتسام وسألتني عن شرابي وهي تسجل في دفترها كأنها تعرف سلفا ماذا أطلب...وقالت قبل أن أنطق...هوتشوكليت كما تعودتما؟؟ إبتسمت وقلت لها...نعم هوتشوكليت كما تعودنا...جاءت الفتيات الأسيويات الواحدة تلو الآخرى يسألونني عنها ويقولون...إين المدام؟؟ فأبتسم لهم وأجيب: سافرت....فيهزون رؤوسهم في أسف ....أو لعلهن يهززنها غير مصدقين...لا أدري...جائتني الفتاة بالهوتشوكليت...جلست أتأمل القدح...كانت هذه أول مرة آتي إلى هنا ويكون أمامي قدح واحد...لي...تعودت أن نأتي إلى هنا ونطلب قدحين...سويا...الشيء الوحيد الذي تغير هنا أنها لم تعد هنا...وأظنها بل أكاد أجزم أنها لن تعود هنا يوما...أو لن نعود...جلست أحتسي مشروبي في بطء وأتفرس في المكان...إن المكان ليس كما بدا لي للوهلة الأولى...هناك كئابة تلقي بظلالها على المكان...برودة الطقس والإضاءة التي بدت لي خافتة ووجوه الفتيات العاملات التي أظنها قد شحبت كثيرا عن أخر مرة كنت فيها هنا ألقت في نفسي وحشة وجعلت صدري يضيق....كنت على نفس الطاولة أتذكر ...كنا هنا...نأتي صباح السبت...وكل صباح كنا نأتي...لكنني أتذكر صباح السبت على وجه التحديد...كان السبت يأتي بعد أن يكون قد فصلنا عن بعضنا يومي الخميس والجمعة بثقلهما وظلهما الممتد على أعصابنا فيهرسها هرسا...وياتي السبت فنلتقي هنا وكل منا يحمل شوقه بين يديه وفي عنيه فووق ضلوعه وداخل قلبه...كنا نقرأ الجريدة هنا...هكذا تعودنا...وتعودت هي أيضا من باب العدوى...نجلس نقرأ الجريدة ونعلق على ما بها من أحداث وكانت تعليقاتنا في الغالب ضاحكة ...كنت أحب أن أقرأ الحوادث فتعودت على ذلك مثلي...وكنت أحب أن أتصفح الجريدة مبتدئا بأخرها فأحبت ذلك أسوة بي أيضا...كنت أقرأ الحوادث وأعلق عليها وكان في الغالب يكون تعليقا فجا خارجا سوقيا فيحمر وجها وتلكزني في كتفي خجلا منها وأعتراضا على ما قلت وتنطلق ضحكاتنا تعم المكان...وأيام الثورة أيضا كنا هنا...نتابع في التلفاز ما يحدث بإهتمام ثم نتصفح الجريدة ونعلق ونتكلم ونتحاور ونتهامس...هكذا...حتى أخر النهار..لنقوم بعدها عائدين من حيث أتينا....كل هذا لم يعد موجودا...أنا هنا...وحدي...ومعي ذلك المشروب الخالي من أي طعم يذكر...برودة عجيبة تلف المكان بعد دفيء كان يغمره...أرى نفس الوجوه التي تعودنا أن نراها سويا ونعلق عليها ساخرين تتوافد على المكان وكلها وجوه تتفرس في كأنها تتأكد أني أنا وتسألني...أين هي؟ جلست قرابة الساعة ويزيد...وقمت...ذهبت إلى الكاشير كما تعودنا ...أعطيت للفتاة النقود فابتسمت لي نفس الابتسامة كأنها تذكرني أو تتذكر معي ....لا أدري...خرجت وأنا أجرجر قدمي جرا...كانت خطواتي ثقيلة ...ودقات قلبي أثقل...لفحتني نسمة باردة إستقرت في قلبي ولم تخرج حتى اللحظة.
سالت نفسي وانا أدير محرك سيارتي منصرفا...ما الذي جاء بك هنا بعد كل تلك المدة...وأجبت...ذكرياتي من حقي أنا...حقي وحدي دون شريك...أتذكرها وقت أشاء وكيف أشاء....وكأنني قد نسيت يوما!!!
منذ عام مضى كنا هنا...معا...ولم نعد كذلك.............................ولن نعود.