السبت، 24 ديسمبر، 2011

فيلم أسماء

فيلم "أسماء"...الثورة على معتقدات كذوبة
·       حاملة "الأيدز" تحتفظ بحقها في إخفاء سبب إنتقال العدوى لها
·       الفيلم يعري المجتمع من عيوبه النفسية المزمنة في محاولة للإصلاح
·       الزوجة المحبة ترفض التخلي عن زوجها حامل المرض وتشاركه حلم الانجاب
ياسر صديق
لكل مجتمع معتقداته وموروثاته الثقافية ، وجل هذه المخزونات المعرفية والعقائدية بنيت على أسس تخضع لمعايير "العيب" والخوف من "الفضيحة" وليس على أساس الحلال والحرام والحرص على مرضاة الله والسعي  إلى تطبيق الجملة الربانية "أحبوا الناس يرحمكم الله"...يبدو كل ما سبق واضحا جليا صارخا فاضحا في فيلم"أسماء" ....الفيلم لا يطرح شخصية تحمل مرضا لا شفاء منه كما تبدو الصورة من الخارج..بل إنه يخوص داخل العورات النفسية للمجتمع فيعريها ويكشفها ويزيل عنها تقيحات ازدادت إلتهابا بمرور الزمن في محاولة رائعة لتطهير الجرح وتعافي جسد المجتمع.

يبدأ الفيلم بمشهد فاصل قاطع ...سيدة في منتصف الأربعينات يساعدها أحدهم في دخول المستشفى لإجراء عملية "المرارة" التي تسبب لها آلاما مزمنة وهي يملي عليها ضرورة آلا تتكلم ولا تفصح عن شيء...فقط الصمت هو المطلوب....وفي داخل غرفة العمليات تجرى الاستعدادات لإجراء العملية فتقطع المرأة حبل الصمت بجملة تنزل كالصاعقة على الأطباء الملتفون حولها........"انا عندي إيدز".
"اسماء" بطلة الفيلم "هند صبري" سيدة تعاني من مرض فقد المناعة المكتسبة "الإيدز" تعاني معاناة مرة من مرض المرارة ويعزف كل الأطباء عن إجراء العملية لها خوفا على أنفسهم من إلتقاط الفيروس...تعمل "أسماء" عاملة نظافة في مطار القاهرة يطلب منها رؤسائها إحضار التقرير الطبي لإكمال مستندات تعيينها وبعد تهرب لعدة أشهر تحضر أوراق تثبت أنها تحمل المرض القاتل فتفصل من عملها بعد أن رفض زملائها وجودها بينهم.
يسير الفيلم بطريقة الفلاش باك فنرى تارة مشهدا للبطلة وهي شديدة الحرص على حجب حقيقة مرضها حتى عن إبنتها الوحيدة التي ينتابها أحساس مزمن أن أمها تخفي عنها شيئا يتعلق بعفتها وأخلاقها فتتمرد البنت على حياتها وتخرج لملاقاة شاب تحبه وتهرب من المدرسة ، وتارة نرى المشهد يعود بنا حيث كانت "أسماء" شابة في قريتها الصغيرة تبيع السجاد وتتمرد على البائعين الرجال الذين يريدون إقصائها عن السوق فيراها شاب مجند فيعجب بها وتبادله الإعجاب بل وتبدأ هي في مغازلته فيثور أبوها عليها في مشهد بدا كوميديا راقيا لينتهي المشهد بالشاب يطرق الباب طالبا يدها.
على الجانب الأخر من الأحداث نرى إعلامي شهير في برامج التوك شو "ماجد الكدواني" يبحث عن قضية ساخنة تضج مضاجع المسؤولين،  يطلب من فريق الإعداد البحث عن مشاكل المطحونين من أبناء الشعب فتتوصل أحدى فتيات فريق الإعداد للعيادة التي تعالج فيها "أسماء" وزملائها من المرض وتطلب من الطبيب المعالج حالة من تلك الحالات توافق على الظهور بوجهها على شاشة لشرح مرضها ومعاناتها ويقع الإختيار على "أسماء" وسط معارضة وخوف كل زملائها عليها من مواجهة الناس.

يعود بنا الفيلم ليرتد بالإحداث إلى الوراء...إلى بداية زواج "أسماء" حيث تصر على مواصلة عملها في السوق وتقنع زوجها بضرورة ألا تعيش كالبهائم تأكل وتشرب وتنجب وتموت ، ويقتنع الزوج المحب بحجتها...وفي يوم أسود تقع ملاسنة بين "أسماء" وأحد البائعين فيصفعها على وجهها فيتصدى له زوجها ويدخلان في عراك يسقط على إثره البائع صريعا ويقذف بالزوج في السجن ليبقى السؤال الذي هو لب الأحداث!! كيف حملت "أسماء" الفيروس القاتل؟؟.
ويخرج زوجها من السجن عازفا عنها كارها لها ولا تدري السبب وراء ذلك...وفي ليلة خروجه يرمي عليها يمين الطلاق فتسأله عن السبب فيصارحها أنه مريض بالإيدز وأصيب به في السجن فتصبر "أسماء" وتحتسب وتقف بجانبه ولا تتركه وتتولد داخلها رغبة أن تعوضه بطفل يحمل اسمه فيرفض حتى لا يصيب من ليس له ذنب بوبائه...وبعد فترة تذهب "أسماء" لإجراء التحاليل وتعود لتخبر زوجها باكية أن المرض قد انتقل لها ولم تعد هناك حجة تمنعه من الإنجاب وبالفعل تلد "أسماء" بنتا...لتكشف الأحداث بعد ذلك أن أسماء إدعت المرض فقط كي تشارك زوجها مرضه وحلمه في الإنجاب وأنها لم تحمل المرض إلا عندما بدأ الإتصال الجنسي بينهما ..يموت الزوج ويطالبها أخاه بمغادرة القرية...وتفعل.
وفي قفزة بالأحداث إلى الأمام يتعرف الإعلامي على "أسماء" ويعرف حالتها فيتفاعل مع قضيتها ويطالبها بالظهور بوجهها في الحلقة فتوافق إلى أن زملائها يحاولون إقصائها عن ذلك خوفا على سمعتها وسمعة إبنتها فتتردد في أخر لحظة وتطلب أن تظهر بوجه معتم فيوافق الإعلامي على مضض....وتذاع الحلقة وتحقق صدى واسع وتشاهد إبنتها الحلقة ويخبرها جدها أن المتحدثة هي أمها فتطلب البرنامج وتشيد ببطولة أمها وبسالتها وقوة تحملها ، وعنئذ تقرر "أسماء" الظهور بوجهها أمام المشاهدين لتقول كلمة خالدة" أنا لو مت مش هموت من المرض...أنا لو مت هموت من مرضكم أنتم"..تقصد الجهل في التعامل مع مريض شديد الخصوصية كمريض الإيدز ، يقف بعدها الإعلامي امامها في أحترام مصافحا لتكون المصافحة الأولى بينها وبين أحد بدون قفازها الشهير.
ينتهي الفيلم بمشهد شديدة الضياء والإضاءة والسماحة..."أسماء" تعود إلى بيتها مرفوعة الرأس فرحة أن إبنتها قد علمت حقيقة مرضها وتدخل شارعها حيث تسكن وتقف في صلابة تواجه جيرانها في مشهد صامت وموسيقى تصويرية شديدة الرقي.
الرائعة هند صبري لم تحقق الإجادة والقبض على تفاصيل الشخصية فحسب لكنها قفزت بسنوات عمرها أكثر من خمسة عشر عاما إلى الأمام في توحد مذهل إيماءتها الجسدية ونظرات عينيها ونطق الكلمات تجزم أنها سيدة في أواسط الأربعينيات.
ماجد الكدواني يتفوق على نفسه بسلاسة وقدرة على الإقناع وحبكة شديدة البساطة إستحق عليها أن ينتزع لقب أحسن ممثل عن دوره هذا من مهرجان أبو ظبي.
عمرو سلامة مخرج واعد ماهر في التحكم في ادواته وقادر على توصيل الفكرة بأقصي حدود الإبداع.
فيلم "أسماء" بطولة هند صبري وماجد الكدواني وهاني عادل وسيد رجب تأليف وإخراج عمرو سلامة.

الأربعاء، 21 ديسمبر، 2011

غراب ينعق فوق جسد الشهداء

غراب ينعق فوق جثث الشهداء
توسطت جثته شارع مجلس الوزراء وتجمع حولها المارة يتهامسون ويشيرون وبعضهم يقول: هو ده تبع مين الأمن ولا المتظاهرين؟...وخطوات صارمة تشق الصفوف ليتصدر المشهد رجل في بداية الأربعينات من عمره الشيب بالكاد يزحف على فوديه يرتدي بزة الشرطة ويحمل على كتفيه رتبة تنبأ أنه عقيد....تقدم من الجثة الممددة وقام يتفحصها وفتش جيوب القتيل ليخرج كارنيه فتحه ثم علت وجهه الدهشة والجزع في آن واحد وهي يقول في صوت خرج على الرغم منه مرتفعا...إبراهيم شاهين!!! رائد في الأمن الوطني....لتختفي من على وجوه المتجمعين حوله نظرات التساؤل وتحل محلها نظرات الدهشة..........والشماتة.
بعد ثلاث ساعات على ذلك المشهد رن هاتف ذلك الرجل الأشيب الشعر البارد الملامح التي تعلوها نظرات لا مبالية ....نظر إلى هاتفه فوجد رقما مجهولا فظل ينظر إلى الهاتف مترددا ...ليرد....ألو....أتاه صوت على الطرف الأخر هاديء صارم: الأستاذ أحمد شاهين؟ أجاب الرجل في حذر:نعم....من؟....الصوت بنفس الهدوء تخلله بعض التوتر: العقيد حسام الششتاوي من قوات مكافحة الشغب رجاء مراجعة الوزارة في أقرب وقت ...الرجل في جزع:لماذا!!! من حقي أن أعرف ماذا جرى؟...العقيد في أسى:وجدنا الرائد إبراهيم إبنك مقتولا قبل ثلاث ساعات من الآن!!...ساد صمت ثقيل قبل أن يأتي صوت الأب هادئا لدرجة أدهشت العقيد حسام قائلا:سأوافيكم على الفور.
هرج ومرج أمام مبنى وزارة الداخلية وعدد من كبار ظباط الشرطة واقفين يتحدثون إلى بعضهم البعض في عصبية تبدو واضحة لدرجة لا تخطئها عين.....تقدم أحمد شاهين إلى داخل مبنى الوزارة في خطوات ثقيلة متعبة منهكة وتوقف أمام عسكري يقف أمام باب غرفة وسأله عن العقيد حسام الششتاوي فأجلسه العسكري ودخل إلى الغرفة ثم عاد وهو يشير إلى الرجل بالدخول وقد علت وجه علامات إحترام وأسى تؤكد أنه قد علم أنه والد القتيل.
هب العقيد حسام الششتاوي واقفا لتحية والد الرائد إبراهيم وأجلسه في تأدب وأحترام ساد بعدها صمت مهيب على الغرفة قطعه العقيد بإشعال سيجارته وقدم سيجارة أخرى للوالد الذي أخذها وهو يهز رأسه محييا العقيد حسام الذي أشعل له سيجارته ثم جلسا ينفثا دخان سيجارتيهما ...ثم سأل العقيد حسام الوالد:هل رأيت الجثة؟ الوالد:لا لكنني على يقين أنه هو...العقيد حسام في دهشة:وكيف تأكدت؟ الوالد في هدوء عجيب:توقعت مقتله منذ سنين مضت...كنت أجلس كل ليلة في أنتظار أن يأتيني خبر مقتله على يد أحدهم....العقيد في تساؤل:أحدهم!!!! تقصد من؟ الوالد وهي يدخن سيجارته في نهم كأنه يأكلها: كل أولئك المعذبون من ضحاياه لقد كان ولدي جلادا لا شرطيا...كان يتلذذ بتعذيب من يقع تحت يديه في سادية تدهشني وتقتلني في ذات الوقت....لذا توقعت قتله يوما على يد أحدهم....ثم رفع عينيه إلى العقيد في تساؤل وقال:كيف تم قتله؟ العقيد في سخرية مريرة: وهل يشكل ذلك فارق لديك؟؟؟؟ الوالد في آسى: نعم أرجوك أجيبني.....مال العقيد على الوالد هامسا:45 طعنة كلها في البطن.....شهق الوالد في ذعر وقال بصوت باكي:رباه...طالما حذرته...لكنه لما يسمع لنصيحتي...طالما حذرته...وعلا شهيق بكائه فصمت العقيد حسام إحتراما لمشاعره حتى هدأ الرجل قليلا ثم سأله العقيد في فضول: حدثني قليلا عن إبراهيم...ولماذا توقعت أن يموت مقتولا على يد أحدهم كما قلت.....تراجع الوالد في مقعده وتنهد تنهيدة خرجت منها حارة ساخنة وقال....
تربى إبراهيم في بيئة تنذر بميلاد شخص مضطرب الشخصية...كنت أنا شابا في ذلك الوقت أعاني مشاكل عتيقة مع أمه فكبر إبراهيم على صوت الخلافات وكثيرا ما كان يصحو على صوت شجار وسباب ويراني وانا أعتدي بالضرب على أمه وهي تسبني وتلعن اليوم الذي رأتني فيه...كبر إبراهيم وهو يضمر بداخله كرها شديدا لي ولوالدته ...كان يستشعر دائما ويقول لنا أننا سرقنا طفولته وبخلنا عليه أن يعيش طفلا طبيعيا يلعب ويلهو وسط أبوين حنونين يحبونه ويرى الحب داخل البيت....وماتت أمه وهو في العاشرة من عمره...مرضت ومات...أغلب الظن أنها ماتت كمدا وغيظا مني ومن معاملتي لها...ورأيت ذلك في عين إبراهيم..وكان يقول لي ذلك...أنت الذي قتلتها...وكبر إبراهيم...وكبر إحساسه وكرهه لي...كان تلميذا مشاغبا...مشاغبا جدا...كان يعتدي بالضرب على أقرانه لأتفه الأسباب...وكثيرا ما كان الأخصائي الإجتماعي يستدعيني للمدرسة ويسألني عن أسباب سادية إبراهيم وقسوته...وفي المرحلة الثانوية نجح بمجموع منخفض للغاية وقرر التقدم للإلتحاق بكلية الشرطة...لكنه سقط في كشف الهيئة..وترك ذلك في نفسه أثرا...وغلا...وحقدا...أذكر يومها أنه دخل إلى غرفته وحطم كل ما فيها وظل يصرخ قائلا: أوساخ وانا أحسن منكم كلكم...ولم أدري يومها من يقصد....إلتحق على غير إرداته مجبرا بمعهد أمناء الشرطة وكانت القسوة هي سمته الرئيسية داخل المعهد وكثيرا ما تعرض للعقاب والمنع من الإجازات بسبب قسوته مع زملائه وتحديه لرؤسائه...
وبعد تخرجه عمل أمينا في قسم شرطة قصر النيل...كان يأتيني ليلا أو نهارا متعبا لاعنا كل شيء ساخطا على كل شيء يتمتم بكل كلمات السباب التي يعرفها...أحاول تهدئته فيزجرني في قسوة وعيناه يتطاير منها الغضب...لقد كبر وكبر معه كرهه وحنقه علي...كان يشعر أن الضباط يترفعون عليه ويعاملونه بإزدراء وكان هذا أكثر ما يقتله ويعذبه...فقرر الإلتحاق بكلية الحقوق لتحسين رتبته ....وذاكر حتى حصل على البكالوريوس وأصبح ملازما...يومها عاد إلى البيت ببزته العسكرية الجديدة وظل واقفا أكثر من ثلاث ساعات أمام المرآة متأملا وعلى وجه نظرات فرحة...ونشوة...وغل...نفس نظرات الغل التي ألتصقت بوجه منذ أن كان طفلا.
كان إبراهيم فظا...بل كان شديد القسوة والرعونة في معاملة المواطنين...وأتذكر أنه ألقى القبض يوما على شاب وفتاة كانا يتمشيان سويا على النيل فاستوقفهما وجرههما جرا إلى قسم الشرطة وألقى بالشاب داخل الزنزانة وظل يصفع ويركل الفتاة طوال اليوم حتى أخرجهما أحد الضباط متوسطا لديه للإفراج عنهما...يومها تم التحقيق معه بتهمة إستخدام العنف المفرط وأوقف شهرا عن العمل ...لكنه عاد أكثر دموية وغضبا وحنقا على كل الناس.
حتى جاءت ثورة 25 يناير....وكان إبراهيم من أكثر الكارهين لها...كان يرى أن من قاموا بها أوباش ومجموعة ممن يدعون الثقافة والرؤية البعيدة...وكان من اول المتصدين لها وأول من أطلق النار على المتظاهرين...إبراهيم كان ضمن القناصة التي قتلت الشهداء طوال أيام الثورة الثمانية عشر ...إبراهيم كان أول من سهل لراكبي الجمال والحمير إقتحام ميدان التحرير...إبراهيم كان على رأس المدبرين لحصار المتظاهرين في ميدان العباسية...إبراهيم ولدي ...كان هو من ركب العربة المصفحة ودهس بها المتظاهرين في أحداث ماسبيرو...إبراهيم كان أول من فقأ أعين الشباب في شارع محمد محمود لكنه كان ماهرا في التخفي والإختباء...إلى أن جاءت أحداث مجلس الوزراء الأخيرة.......
إعتدل العقيد حسام في جلسته وقفز الفضول من عينيه وهو يسأل:ماذا حدث في أحداث مجلس الوزراء....زفر الوالد زفرة عميقة وقال: إستيقظ يومها مبكرا وأرتدى ملابس مدنية سألته:إلى أين...نظر إلى بعين باردة ولم يجب...أعدت عليه سؤالي فرمقني بنظرة أوجعتني ...وخرج...ومن يوما لم أره ....إلى أن جاءتني مكالمتك.....ساد صمت عجيب وظل السؤال معلقا في سقف الغرفة....من الذي قتل إبراهيم شاهين!!!!!!! من؟.
قبل يوم من ليلة العثور على ذلك الرائد مقتولا تلقت "لبنى" الطالبة الأزهرية إتصالا من صديقاتها يخبرونها أنهن عازمات على ان ينزلن للإنضمام إلى إعتصام مجلس الوزراء ...إتصلت "لبنى" على "اشرف" خطيبها الطبيب الشاب تستشيره فوافقها على شرط أن تعود إلى البيت إذا ما تطورت الأمور........ونزلت "لبنى"....كان الأحداث ساخنة وتطور الأمر من الهتاف إلى التصادم والتراشق وأناس بملابس مدنية وعسكرية إعتلوا سطح مبنى مجلس الوزراء يقذفون المعتصمين بكل ما تطاله أيديهم ثم أنقضت قوات الجيش في عراك وضرب وتنكيل غير مبرر.......وأخذت "لبنى" تجري مبتعدة فتعثرت وسقطت فأمسك بها رجلا بملابس مدنية وجرها من شعرها جرا إلى داخل مبنى صغير...وألقاها داخل غرفة رثة حقيرة وهو يقول في شماتة..إبأي قابليني لو خرجتي من هنا تاني يا بنت الــ.......وخرج...وظلت "لبنى" ترتعش وهي لا تدرى ماذا سيفعل بها...كان خيالها يقفز إلى صور ترعبها وتخلع قلبها...خاصة وأصوات صرخات من غرف مجاورة تصم أذنها وتلقي في قلبها خوفا على نفسها...وعلى بلدها أيضا......مرت ساعة وربما أكثر...ليفتح باب الغرفة ويدخل منها...إبراهيم شاهين...يعلو وجهه نظرات باردة وإبتسامة كشفت عن أسنان صفراء قذرة تأكلت من كثرة مداومته على التدخين...ملابسة تبدو متسخة ما يؤكد أنه ضالع في تلك الأحداث بالخارج...تقدم منها بخطوات بطيئة باردة ...تراجعت "لبنى" قليلا في توتر...سألها:أنتي منين يا بت؟؟ كانت هذه المرة الأولي التي يناديها أحد بهذا اللفظ..."بت" عاشت لبنى في بيت يغلب عليه الإحترام في كل شيء...كان أبوها يناديها"بنيتي" وأخوها يناديها "أختي" وخطيبها يناديها"حبيبتي"...وتلك هي المرة الأولى التي تنادى فيها بكلمة"بت" خرجت الكلمة لتشق ضلوعها وتزيدها خوفا....فاجابت في صوت حاولت أن يكون متماسكا: من مدينة نصر....ثم أنتفض جسدها كله وصرخت عندما هوى إبراهيم على وجها بصفعة قوية وجذبها من شعرها صارخا فيها:ولما انتي من مدينة نصر إيه اللي جايبك هنا يا روح أمك؟؟؟ انتي عاملالي نفسك ثورجية؟انتي هتدفني هنا وده أخر يوم في حياتك...ثم دفعها إلى الحائط فاصدم به رأسها وسالت الدماء من جبهتها وسقطت مغشي عليها....تقدم إبراهيم من جسدها الملقى على الأرض يتأمله في خسه...ثم مد يده يتحسس خدها الرقيق ونظرات الجشع تعلو وجه البغيض...وسيلا من مشاهد طفولته التعسه تتزاحم أمام عينيه....وببرود...مزق ملابسها...محاولا العبث بجسدها الطاهر....وتسمرت يده عندما على صوت خارج الحجرة ثم طرقات عنيفة...فقام إلى الباب يفتحه...فوجد أمامه لواء جيش وهو يقول في لهجة أمرة...أخرج الفتاة.....نظر إليه إبراهيم في دهشة ثم قال ساخطا:لكن يا فندم دي بتكره البلد وكانت عايزة......قاطعه اللواء في حزم:أخرجها أحنا مش ناقصين مشاكل مع القنوات الفضائية وجاء أثنين من العساكر يحملانها إلى الخارج وعيون إبراهيم تتابعان جسدها النحيل وفي عينيه نفس النظرة التي تحمل.........الغل!!!.
لم تتذكر "لبنى" ما حدث لها بعد أن فقدت وعيها لكن ملابسها الممزقة جعلت أسوأ الروايات سردا تقفز إلى مخيلتها الطاهرة فظلت تنتفض وتبكي بحرقة حتى عادت إلى البيت ولا تدري كيف عادت...ظل هاتفها يرن...إنه "أشرف" يتصل يريد الإطمئنان...تلقت إتصاله في صمت وهو يهتف..."لبنى" أأنت بخير؟؟ "لبنى"!!! لم يجد إجابة لديها إلى صوت بكاء خافت تسلل إلى أذنه فأغلق الهاتف وأسرع إلى بيتها.....وأستأذن والدها ليناديها...فجاءت منهكة متعبة مصدومة...نظر إليها بعين حانية وسألها:ماذا حدث؟؟؟ نظرت إليه وجسدها ينتفض وأجابت:لا أدري....فقدت وعيي داخل غرفة وعندما أفقت كانت ملابسي ممزقة و....وأجهشت بالبكاء...بكاءا حارا ساخنا....و"أشرف" صامت...صمت المحب الجريح المصدوم في شرفه وكرامته...سألها في حنان بالغ:من الذي فعل ذلك...أجابته وهي تبكي:سمعتهم يقولون أنه رائد يدعى إبراهيم وهناك من أخبرني أنه اسمه إبراهيم شاهين....ومضت عيون أشرف بوميض غاضب ثم ربت على كتفها مهدئا وقال لها..أذهبي فاستريحي ولا تلقي بالا فهذا نصيب من يحب بلاده ويدافع عنها...وقام منصرفا ...وأتصل بصديق له يعمل نقيبا في شرطة السياحة وسأله عن إسم إبراهيم شاهين...وتعلل لصديقه أنه يريد أن يوصل له رسالة من صديق مغترب... أمده صديقه النقيب بكل ما يحتاجه من معلومات عن إبراهيم الصياد...أين يعمل..متى تبدأ نوبة عمله...متى تنتهي......وفكر "أشرف"...وخطط....وعقد النية...........
ترجل الرائد إبراهيم شاهين من سيارته بعيدا عن مقر عمله خوفا على سيارته أن تصطدم بها سيارة أخرى...ففضل ان يصفها في مكان غير مزدحم...ناداه صوت من خلفه...الرائد إبراهيم؟ إلتفت في حدة : متسائلا:إنت مين.....أتاه الصوت وقد خيم الظلام فوق جسد متحدثه فأخفى معالم وجهه:أشرف.....إبراهيم بنفس الحدة:أشرف مين ياض وتعرفني منين وفين بطاقتك؟؟ ضحكة عالية مجلجلة من "اشرف" ألجمت إبراهيم ....أشرف:ملكش الحق تسأل خلاص يا إبراهيم باشا...الجثث مش من حقها تسأل...حاول إبراهيم أن يستل مسدسه في سرعة فقفز "أشرف" وهوى بصفعة شديدة على وجه "إبراهيم" فأسقط المسدس من يده وجذبه "أشرف" من شعره وهي يقول في صوت بارد: بنفس هذه الطريقة صفعت الفتاة المسكينة ...أكنت ترى نفسك رجلا حينئذ؟؟؟ ام كنت ترى نفسك غراب ينعق فوق جسد الشهداء؟؟؟ ثم أخرج سكينا من سترته....فارتعش جسد "إبراهيم" خوفا وهلعا...وأشرف يتابع:إن من يعتدي على بناتنا وعلى أخواتنا....وعلى زوجتي...لا يستحق أن يعيش يوما....وأنهال طعنا على جسد "إبراهيم" ولم يتركه إلا بعد أن فارق الحياة.....ثم جلس بجوار جثته وهو يقول في عزة:بناتنا ليست للصفع والركل والتنكيل ....وبصق على وجه "إبراهيم شاهين"...وهم بالإنصراف وإذا بيد تكبله من الخلف ورجل عجوز يصرخ....قاتل...لقد قتل رجلا ويريد الهرب...تجمع بعض المارة في ذلك الوقت المتأخر وهو ينظرون في خوف وقلق وعيونهم تنتقل بين جثة "إبراهيم" و"أشرف " المكبل من الرجل....صاح فيهم "أشرف" :هذا الغراب الذي ترونه ضابط شرطة إعتدى على شرف خطيبتي لأنها ثارت من أجل هذا الوطن فثأرت لها وقتلته...لانت يد الرجل الذي كان يكبله وتلعثم قليلا وتغيرت نظرات المحيطين وتحولت إلى نظرات ساخطة تصب على جثة "إبراهيم" ثم هتف أحدهم الواقفين ساخرا: مين اللي قتل الجدع ده يا جماعة؟؟ حد يعرف؟ ليهتف الجميع: العلم عند الله.....وقالوا لـ"أشرف" في صوت واحد:إذهب وتوارى فنحن لم نرك....وإبتعد أشرف...يحمل كرامته.......وشرفه المصان.
عودة إلى المشهد الأول....العقيد حسام يشق الصفوف ليفحص جثة "إبراهيم شاهين" ثم يقف منتصبا يرمق الجميع بنظرات تحمل كثير من الشك وهو يسأل: هل يعلم أحد منكم من قاتله؟؟ جاءت الإجابة جماعية: لأ بس أحنا عايزين نقول للميت كلمة لو ممكن...علت نظرات الدهشة على وجه العقيد حسام وقال:عايزين تقولوا كلمة لـ جثة؟؟ كلمة إيه؟...تقدم الجميع ناحية الجثة وفي آن واحد قالوا: إتفووووووا.........وأنصرفوا جميعا والعقيد حسام غارق في حيرته...تماما.

ملحوظة: جميع أسماء الشخصيات خيالية وأي تشابه بينها وبين أسماء حقيقية هي من قبيل المصادفة البحتة ليس إلا.

الأحد، 18 ديسمبر، 2011

سبوت على فيلم "إكس لارج"

صراع بين "مجدي" المحب و"عادل" الوهمي
"إكس لارج"...العبور فوق ما ترغب للفوز بمن تحب
·       أحمد حلمي يمتطي جواد الأفكار اللامعة والأطروحات الغير مسبوقة
·       إستسلام عادل لمعطيات حياته كانت العثرة الكبرى نحو التغيير
·       "الخال" هو المحرض الأول لثورة عادل على ذاته
·       الحبيبة كانت الدافع الأقوى لتغلب عادل على إستسلامه لأرطال جسده
·       الفيلم يعلمك كيف تثور وتقفز بالتغيير نحو حياة أفضل
ياسر صديق
هناك نوع من الأفلام تتلاشى مشاهدها من أمام عينيك وانت جالس تشاهدها دون أن تترك في نفسك أثرا يذكر ولا حكمة تدرك ولا تثير في نفسك تساؤلا واحدا وبمجرد خروجك من دار العرض تنخرط في مشاغل حياتك ناسيا ومتناسيا ما كنت تشاهده منذ قليل...ونوع أخر من الأفلام تجعلك مشدودا منغمسا حتى أذنيك في كل لقطة ومشهد يمر عليك أثناء متابعة الفيلم ، وهذه نوعية تكون في الغالب تمس شيئا بداخلك أو تطرح فكرة تستحوذ على كل يقينك وإنتباهك ومداركك...وفيلم "إكس لارج" بدون شك من النوعية الثانية...تلك النوعية التي إمتطى أحمد حلمي جوادها متفوقا ومتفردا بين أقرانه من نجوم الشباك فكل فيلم جديد يعلن عن طرحه في دور العرض يحمل إسم حلمي ، يلهث الجمهور ورائه وهم على يقين أنهم بصدد قصة غير عادية وأداء تمثيلي فوق كل التوقعات ، ورؤية إخراجية وحبكة درامية ستستحوذ ولا شك على كل ملكاتهم وحواسهم.

مجدي المحبوب الباحث عن الحب
فيلم "إكس لارج" يحكي عن رسام الكاريكاتير "مجدي" الشاب السمين الطيب العاشق للطعام بنهم شديد ، محبوب من زملائه في العمل بل وزوجات وخطيبات أصدقائه أيضا ويعتبرونه مستودع أسرارهم ومستشارهم العاطفي ، يعيش وحيدا وليس له في الدنيا إلا خاله "الممثل إبراهيم نصر" يزوره من حين لأخر ويعتبره مجدي بمثابة الأب ومستشاره النفسي والعاطفي.
يحل "مجدي" مشاكل أصدقائه العاطفية في حين يبحث هو عن الحب ويجد في سمنته وحجمه الضخم عائقا أمام أن يجد حبيبته المجهولة فمن هذه التي سترضى بحبيب ضخم الجثة ثقيل الوزن يأكل كثيرا وينام كثيرا ويعتبر هاتين العادتين هما قمة متعته في الدنيا.
عن طريق الفيسبوك يحاول "مجدي" البحث عن صديقته إبان طفولته وبالفعل يجدها والتي تودي دورها "دنيا سمير غانم" ، ويبدئان في التواصل عبر الفيس وتخبره أنها مقيمة في دبي وتبدأ في تخيله بعد كل تلك السنين لتضعه في مأزق حقيقي وعقدة مزمنة عندما تتخيله طويلا وسيما ذو جسد رياضي مشبهة إياه بالممثل الوسيم "أحمد عز" فيسقط في يد "مجدي" ولا يدري ماذا يفعل ، تمر عدة أيام وتخبره صديقة الطفولة أنها ستعود إلى مصر خلال أيام لتستقر هناك ، يستعين "مجدي" بخاله مستشيرا إياه بحثا عن الحل فيخبره خاله أنها لو أحبته فيجب أن تحبه لشخصه وليس لحجمه أو وسامته أو سمنته أو وزنه ، فيصعب ذلك على "مجدي".
المواجهة الأولى
تصل حبيبته إلى المطار ويقف هو رافعا لافته مكتوب عليها إسمها وعند المواجهة الأولى بينهما لا تتعرف عليه وتسأله مستفسرة"أين مجدي"!!! فيعرف في قرارة نفسه أنه لا يمكن مواجهتها بحقيقة أنه مجدي حتى لا يفقدها فيخبرها أنه "عادل" أبن عم مجدي الذي باغتته رحلة عمل طارئة إضطرته للسفر فجأة وأنه أوصاه أن يكون في إستقبالها وتحت تصرفها ، وعبر مشاهد كوميدية إجيد حبكتها يخضع "عادل" أو "مجدي" لحبيبته ونراه معها في كل مكان تذهب إليها لعل هذا يكون فرصة للتقارب أكثر بينهما محاولا في الوقت نفسه أن يجعلها تكره "مجدي" الوسيم اللطيف المفتول العضلات دون جدوى.
يلح خال "مجدي" عليه أن يواجهها بحبه وأنه مجدي وليس "عادل" وأنه يجب عليه أن يبدأ في عمل رجيم قاسي حتى يخسر كل وزنه الزائد ناصحا إياه بألا يقع في الفخ الذي سقط فيها هو عندما كان في مثل سنه وفقد حبيبته بسبب وزنه الزائد أيضا ، لكن "مجدي" يرفض ذلك لأنه شديد الحب والتعلق بالطعام فينهره خاله في مشهد دراماتيكي ويخبره أنه لا يريد أن يراه ثانية إلا عندما يقرر أن يخسر وزنه ويواجه حقيقته وذاته بالصورة التي يجب أن يظهر عليها.

يعيش "مجدي" في صراع حقيقي بين عشقه للطعام وحبه لخاله ورغبته في الارتباط بمن يحب فتكون وفاة خاله هي الفيصل والقشة التي قصمت تردده ، خاصة بعد أن ذهب إلى حبيبته وصارحها بحبه بالطريقة التي يجيدها ...طريقة فن الكاريكاتير...فتخبره في حزن أنها تعتبره صديقا ليس أكثر فيزيد هذا من يقينه أن مظهره وهيئته هما العاملان الأساسيان في سبب رفضها لحبه.

القفز فوق الرغبات
وعن طريق صديق قديم مشاكس يبدأ "مجدي" رحلته في تنظيم وزنه وفي مشهد أخير مبهج يقيم صديقه حفل يعلن فيها عن إعداد مجلة "كاريكاتير" برئاسة "مجدي" إستعان فيها بأشخاص من حياته الحقيقية ليظهر بعدها "مجدي" وقد فقد أغلب وزنه وسط فرحة أصدقائه وحبيبته.
"إكس لارج" فيلم مبهج وإنساني إلى حد مذهل ، فهو يجعلك تحب كل شيء ، تحب كونك ما أنت عليه وتحب ما يجب أن تكون عليه ، يجعلك متسق مع ذاتك وثائر عليها في نفس الوقت ، فيلم يجعلك شديد التعلق بالفكرة وليس بالنجم وتلك هي نوعية الأفلام التي يجب أن يتوجه إليها الجمهور...النوعية التي تداعب عقله وتحفزه على مناقشة ما يراه ويشاهده.
أحمد حلمي قدم شخصية "مجدي" البدين بمنتهى الإحترافية ...صوته وحركة جسده ونظراته وسكناته وطريقة نومه تجعلك يقينا تشاهد شخصا سمين وليس "حلمي" الذي تعودنا أن نراه.
"إكس لارج" بطولة أحمد حلمي ودنيا وإيمي سمير وغانم وإبراهيم نصر وياسمين رئيس ومحمد فهيم وتأليف أيمن بهجت قمر وإخراج شريف عرفة ويعرض في دور العرض السينمائي في الكويت يوم 22 ديسمبر الجاري.