الجمعة، 10 فبراير، 2012

العنود


"العنود"...صرخات على وقع البيانو
ياسر صديق
جائتني تمشي على إستحياء...خطواتها مترددة متلعثمة...القلق يجتاح عينيها...مكياجها الهاديء على وجنتيها وشفتيها المزموتين وسنوات عمرها العشرين التي تنحشر داخل بنطالها الضيق كلها أشياء تعكس طبيعتها المتناقضة...لم أكن أعرفها...أتصلت بي يوما تطلب المقابلة ...سألتها من تكون ورفضت البوح أو التعريف بشخصيتها...كل ما طلبته موعد لأمر هام....هكذا روى لي صديقي الصحفي الشاب أيمن بركة...ويردف قائلا:كنت حديث عهد بعالم الصحافة ، أتلمس فيه أولى خطواتي وتعجبت من هذا الإتصال....كانت لهجتها بدوية وهو أمر جعلني أكثر إندهاشا...لم أكن مختلطا أو متعدد المصادر أو واسع النفوذ حتى تأتيني مكالمة كهذه...وفي اليوم المحدد...والميعاد المحدد...جلست أنتظرها...أخبرني موظف الإستقبال أن فتاة تطلب المقابلة فطلبت منه السماح لها بالدخول....ودخلت...كان وجهها صبوحا..مريحا...بريئا... جلست وأطرقت وجها أرضا وأخذت تفرك أصابعها في عصبية وتتجنب النظر في عيني...وأنا صامت في إنتظار أن تتكلم...كنت أرى أنه طالما هي التي طلبت تحديد موعد فمن الطبيعي أن تتحدث هي أولا ...وظلت صامتة...وأنا أيضا...طلبت الساعي وجاء...سألتها...ماذا تشربين....بصوت خافت بالكاد سمعته:قهوة بدون سكر....نظرت إلى الساعي وقلت له: وانا أيضا................
رفعت عينها ناحيتي وابتسمت قائلة:تبدو أصغر مما ظننت...تعجبت من خجلها الذي تحول إلى ما يشبه الغزل بشكل مفاجيء...إبتسمت لها في هدوء وقلت:وهذه ميزة أم عيب ؟ أجابتني بهمس:ميزة بالطبع فعندما قرأت لك وهاتفتك تخيل لي أنك أكبر بكثير...ضحكت حتى أبدد سحابة خجلها وترددها وقلت:هكذا الكتاب لديهم عمر قابل للتعامل مع كل الأعمار....أردفت قائلة وقد اتسعت إبتسامتها:وملامح أيضا!!....سألتها بشكل مباشر:خيرا!!! ما سبب المقابلة؟؟ تفاجئت بسؤالي وعادت إلى تلعثمها وخجلها وأرخت عينيها عني قائلة:ترى هل من الممكن أن تعطي كل شيء ويقابل صنيعك بالنكران؟ أجبتها وانا أخفي تعجبي من السؤال:هذا يتوقف على لمن توجهين صنيعك وهل يستحق أم لا....لم تخبريني عن اسمك؟ أجابتني وهي مطرقة الرأس:العنود......قلتك:إسم جميل وغير متداول حيث مسقط رأسي...إبتسمت وقالت:أنا أيضا أحبه...وهو أيضا...أو كان كذلك....قلت:لم تخبريني عن سبب المقابلة...بعين متألمة نظرت وقالت:قرأت لك فأنا أحب القراءة..أعجبتني كلماتك ورأيت أنه ربما يكون لديك حلا لما أنا فيه....نظرت في عينيها مباشرة وسألتها:وما هذا الذي أنتي فيه؟.....قامت من على مقعدها فجأة وجلست على المقعد المقابل لي...جلست في إسترخاء أدهشني...لم يكن إسترخاءا بل كانت جلسة لا تتناسب مع ذلك الوجه البريء الذي دخل علي بخطواته المرتعشة...نظرت في عيني وسألت:معك سيجارة؟؟....هززت رأسي نفيا في هدوء...وبدى على وجهها الأسف والضيق وتراجعت برأسها على مسند مقعدها وقالت كأنها تحدث سقف الحجرة:أنا طالبة في المعهد العالي للموسيقى...أحب الموسيقى...كان أبي أيضا يحبها...ولدت وأول ما وقع عليه عيني "بيانو" ضخم يتوسط غرفة المعيشة...كنت وانا صغيرة أنقر عليه ليخرج أصواتا مزعجة ...وأضحك لذلك...ويضحك أبي أيضا...كان يحبني...كان يحملني صغيرة ويمسك بأصابعي ويمررها على لوحات البيانو فتخرج أصواتا عذبة...كنت أفرح لذلك...وهو أيضا...كبرت وكبر حبي للموسيقي وتعلقي بالبيانو...دخلت معهد الموسيقى...وهناك قابلته...كنت في السنة الأولى وكان معيدا في المعهد...أنا من أسرة عريقة وكبيرة وكان هو غير ذلك...ولم أهتم....قاطعتها سائلا:وأمك؟......طالعتني كمن لدغها عقرب كأنها لم تتوقع السؤال وقالت: أمي!!! ماذا عنها؟ سألتها:أين هي أنك لم تتحدثي عنها مطلقا...صرخت...خرج صوتها ملتاعا عاليا:تزوجت....رجل أخر غير أبي...توفي أبي وانا في الخامسة عشر من عمري وبعد وفاته بعام تزوجت...عام واحد فقط...
جاء الساعي بالقهوة فسكتت وأدارت وجهها للنافذة ...وعلى باب الحجرة وقف رئيسي المباشر الذي هرع على صرخاتها وأخذ ينقل عينه بيني وبينها في قلق....ثم أنصرف....طلبت منها الجلوس...كانت تنتفض....لا أدري لماذا إختارتني أنا تحديدا كي تقص عليه ما تروي...لست طبيبا نفسيا فلماذا أنا...نظرت إلي مبتسمة وقالت:أتعلم أنك تشبه ذلك الرجل الذي أحب كتابته؟ نظرت إليها في هدوء وقلت:وما اسم ذلك الذي تحبين كتابته؟ لوحت بذارعيها بعدم إهتمام وأجابت:لا أتذكر فلست ممكن يحفظون الأسماء ولا الأرقام لكنه أشيب منك وأكبر و.....

قاطعتها في هدوء:أكملي ما كنت تقولين.....نظرت إلي بنظرة ساخطة ثم تابعت قائلة: كان وجهه أول وجه تقع عليه عيني داخل المعهد...كان أول يوم لي والأرتباك يملؤني ولا أعرف أين قاعة المحاضرات فأرشدني إليها...وسيما...خفيف الظل...مهندما...بدا خلوقا...ومرت الأيام وتقاربنا...وأحببته...وقالي لي أنه أيضا كذلك...طلبت منه أن نتزوج...لم أكن أشعر بالراحة مع أمي ولا مع ذلك الذي تزوجته...ذهب لمقابلة عمي...قوبل طلبه برفض قاطع خانق...جائني غاضبا...وأفرغ غضبه في وجهي بالصراخ والكلمات الجارحة...وتحملت...كنت أراه على حق...لقد جرحه عمي...إختفى يومين أو ثلاثة...أغلق هاتفه ...وأعتزل المعهد...وأعتزلني...بحثت عنه كالمجنونة ولم أجده...ثم جاء بعد أربعة أيام...هادئا...بشوشا...متأسفا...تناولنا الفطور ثم طلب مني أن نخرج للنزهة...وافقت على الفور...ذهبنا إلى السينما...هو يحبها...وأنا أيضا...تناولنا بعدها الغداء...وخرجنا...توقف بسيارته أمام بناية في منطقة تعج بالوافدين...طلب مني الإنتظار حتى يأتي بشيء من شقة صديقه ...ووافقت..وانتظرت...ساعة ولم يأتي...أتصلت عليه أجابني:سأتأخر قليلا لظرف طاريء إصعدي فلا أرى ضرورة لمكوثك في السيارة وحدك...تمنعت...وألح...واستجبت...صعدت...لن أخبرك أنني كنت أثق به...فلم أفكر في ذلك لأنني لم أكن أعرف غيره حتى يتثنى لي أن أثق به دون غيره...كان هو فتاي الوحيد....والأوحد...ولم يصن تلك الثقة...ولم يحافظ علي....كان في تلك الشقة شخص أخر غير الذي عرفت...كانت عيناه يملؤها الغضب...والحقد...ويداه تنهشني نهشا....وخرجت من عنده باكية...أصرخ...وهو يطالعني في صمت...وبرود...أوصلني إلى بيتي...ترجلت من سيارته...وقال لي:تحياتي إلى الأسرة العريقة...وعمك الرفيع الشأن...وأختفى...لم أره ثانية...رفعت إلي عينيها الباكية وأعادت السؤال: ترى هل من الممكن أن تعطي كل شيء ويقابل صنيعك بالنكران؟....أجبتها بعين مشفقة:قلة الخبرة وإنعدام التجربة وعدم وجود الموجه في حياتك أوقعك حيث وقعتي.....صرخت: والحل؟....بهدوء أجبتها:تجاوزي عن ما حدث فحزنك لن يعيد ما كان.....إرتفع صراخها:أتجاوز!!!! كيف لي أن أتجاوز عن من وهبته كل شيء!!!أتعلم أني أغدقت عليه المال؟ أتعلم أني أعطيت ما يمكنه من شراء شقة حتى نتزوج؟ أتعلم........وبكت....بكاءا حادا مرا...وأخذت تلعن...تلعن كثيرا....وتذكر أباها وتحادثه كأنه بيننا...ثم أخذت حقيبتها وخرجت ...جاءت ببطء وخرجت كالعاصفة....وجلست وحدي أفكر....في تلك الكلمة السحرية .....الحب...هي الكلمة التي تترك الفتاة على بابها كل حذر وكل توقع وتبذل كل شيء من أجلها...وأفقت من شرودي على صوت رئيسي المباشر يسأل:من الفتاة....أجبتها:إسمها "العنود" فتاة أحبت من لا يستحق...قال ضاحكا:وما دورك في القصة؟ أجبته مبتسما:لعبت دور المستمع...حياني وأنصرف...وجلست أفكر فيها......في العنود.


الخميس، 9 فبراير، 2012

قصة قصيرة


نار الشباب وماء المشيب
ياسر صديق
جلس سعد الرفاعي على كرسيه المعتاد في شرفته مثل كل الأيام...وفي مثل هذا الوقت تحديدا في الخامسة من بعد ظهر كل يوم...فنجان الشاي الذي يشرب نصفه ويشرد فيبرد النصف الأخر ويظل على حاله دون ان تمتد يده إليه...منذ أن أحيل إلى المعاش وهذه حياته...وهذا يومه...كان يعمل في وزارة الثقافة بدرجة وكيل وزارة...سمعته طيبة داخل الوزارة وخارجها وفي محيط سكنه أيضا...ولم تكن تلك السمعة سببها حسن إختلاطه بمن حوله أو طيب معاشرته لجيرانه بل كان مبعثها الصمت......فقط الصمت...كان الرجل ينفذ كل ما يوكل إليه في صمت يحسده عليه كثيرون ...كان لديه طبيعة هادئة من النادر أن تخترق بإعتراض أو موجة من العصبية...وظل على حاله هذا حتى أحيل للمعاش...لا يعرف أغلب جيرانه إسمه بالكامل لكنهم يجلونه ويقدرونه إعجابا بصمته الذي كفاه عناء توضيح وجهة نظر أو فض مشاجرة ليس له دخل فيها أو التأمر على شخص ينافسه في محيط عمله...سعد الإسكافي لم تعرف روحه هذا النوع من التحدي وهذه القدرة على الصراع.....أفاق من شروده على صوت طرقات الباب...قام بخطوات بطيئة كأنه يتمنى في أعماقه أن يمل ذلك الطارق وينصرف...وعلى الباب وقف شاب نحيف يرتدي نظارة طبية كبيرة تكاد تبتلع وجه بالكامل...يتصبب عرقا...وسأله الشاب:الأستاذ سعد؟ بحذر:نعم.....الشاب:خطاب لك من باريس...تهلل وجهه بعض الشيء واخذ منه الخطاب في لهفة وأعطاه نظير تلك البشارة وأغلق الباب...وعلى أقرب كرسي جلس سعد...يفتح الخطاب ...بعين دامعة كأنه يعرف ما فيه قبل أن يقرأه...كان من إبنه...سامر...إبنه الوحيد...هاجر منذ 10 سنين إلى باريس...مضطرا...وقرأ سعد بصوت مسموع:"أبي...كيف حالك؟..أتمنى أن تكون في صحة جيدة...أنا بخير وبرجيت أيضا بخير...أه نسيت أنك لا تعرفها...إنها زوجتي تعارفنا منذ عام وتزوجنا وهي الأن حامل في سبعة أشهر...لك مني كل التحية...إبنك سامر"...وانسابت الدموع من عينه وتسائل!!!...من أين جاء ولده بتلك الغلظة وذلك الجفاء!!...أهذا كله بسبب خطأ وحيد...خطأ قد يقع فيه كل الرجال!! وألقي بالخطاب بطول يده وفي عينيه غضب كبير...وألم أكبر....
وقف في المطبخ يصنع لنفسه فنجانا من القهوة...وضع البن في القدح وارتعشت يده وسقط البن...وشرد...عاد إلى الوراء....إلى ما قبل خمسة عشر عاما مضت...كان وقتها في أوج سلطانه داخل الوزارة...نال رضا رؤسائه بصمته عن كل تجاوز وفساد...ونال حب مرؤوسيه لعدم تزمته وصبره على أخطائهم وأنحراف بعضهم...ماتت زوجته منذ زمن...منذ أن تزوجها وهي مريضة عليلة...تعبت في ولادة إبنه الوحيد ومن بعدها وهي تعاني من دوار مزمن ألزمها الفراش فترة ليست بقليلة....وماتت..وانشغل هو بتربية الطفل ....وبعمله أيضا...حاول أن يتزوج لكنه كان مترددا بعض الشيء ولا يدري لماذا....حتى رآها...."زبيدة"...كانت شابة بالكاد تبلغ خمسة وعشرين عاما وكان هو في الخامسة والأربعين...جاءت كموظفة جديدة في الوزارة ...مرتبكة...مرتعشة...تم تعيينها في مكتب السكرتارية التابع له...وبعد يومين تبدد داخل زبيدة كل أرتباك وتحولت رعشتها إلى رقصة تتمثل في مشيتها متمايلة تتهادى ...وأعجبته...وجد فيها التعويض الكافي عن سنواته التي قضاها أعزبا...ورأت فيه طريقا سهلا لتحقيق طموحا ورفعا من البيئة التي طالما احتقرتها ...كانت لديها دائها تلك النزعة المتطلعة على الدوام....وتزوجها...وتبدل حاله...كانت تتحكم في مقادير حياته...ماذا يرتدي...كيف يأكل..كيف ينفق...بل كانت هي التي تنفق بعد أن يعطيها راتبه طواعية...كان سبب أرقها الوحيد هو ...سامر...إن زوجها يحبه كثيرا وفي ذلك منافسة صارخة لها...وكانت تسيء معاملته وكان هو في العشرين وكل شيء في داخله يتمرد على سيطرتها وعلى ضعف أبيه وصمته حيال ما تفعل...وفي ليلة وضحاها...سافر سامر دون أن يخبر أباه...بعث له خطابا من فرنسا يخبره أنه هناك ولن يعود متمنيا له السعادة مع تلك التي تزوجها...واليوم....كان ثاني خطاب منه منذ أن هاجر مبتعدا...زبيدة...ملكت عقل سعد... جعلته عن طيب خاطر منه ألعوبة... وأغدق عليها المال...حتى إرث أبيه إستحوذت عليه...وببرود وثقة...طلبت الطلاق...قالت له:انت عجوز متهالك وانا شابة لا تحكم علي بفناء عمري القادم مع مثلك...توسل إليها...رجاها...ركع عند قدميها...ذرف الدمع من أجل أن تظل معه...ولم يشفع لها ذلك عنده....هو الآن وحيدا...باكيا...خسر ولده الوحيد..وخسر تلك الماكرة التي أحب...
صوت الآذان يرتفع معلنا عن صلاة العشاء...كأنه يسمعه للمرة الأولى..لم يكن مواظبا على الصلاة...لكنه شعر أنه بحاجة إلى تلك السكينة...توضأ...دخل أقرب مسجد قابله...صلى...تبتل...دعا...بكى بكاءا حارا....ثم جلس...إقترب منه شيخا ...ربت على كتفه وجلس إلى جواره...وسأله: ما بك؟...وكأنه كان ينتظر ذلك السؤال من أي أحد...وظل يروي ويقص ويسترسل عن مآساته... والشيخ يستمع وإبتسامة الرضا تعلو وجهه ثم صمت...صمتا طويلا مجهدا... قال الشيخ: هون عليك...لقد أوجعت نفسك بنفسك....تجلت في عيون سعد نظرة حائرة متسائلة...فأجابه الشيخ دون أن يسأل:يقول نبي الرحمة" يا معشر الشيوخ إياكم والشباب...قالوا لم يا رسول الله...قال:نار تندلع وماء ينقطع"...لم يسمع سعد يوما بهذا الحديث...لم يكن يوما متدينا إلى الحد الذي يجعله حافظا للأحاديث...ووقعت الكلمات في قلبه...ربت الشيخ على كتفه وقام منصرفا...وهو جالس يردد في ذهول حزين....نار تندلع ....وماء ينقطع.