الخميس، 9 فبراير، 2012

قصة قصيرة


نار الشباب وماء المشيب
ياسر صديق
جلس سعد الرفاعي على كرسيه المعتاد في شرفته مثل كل الأيام...وفي مثل هذا الوقت تحديدا في الخامسة من بعد ظهر كل يوم...فنجان الشاي الذي يشرب نصفه ويشرد فيبرد النصف الأخر ويظل على حاله دون ان تمتد يده إليه...منذ أن أحيل إلى المعاش وهذه حياته...وهذا يومه...كان يعمل في وزارة الثقافة بدرجة وكيل وزارة...سمعته طيبة داخل الوزارة وخارجها وفي محيط سكنه أيضا...ولم تكن تلك السمعة سببها حسن إختلاطه بمن حوله أو طيب معاشرته لجيرانه بل كان مبعثها الصمت......فقط الصمت...كان الرجل ينفذ كل ما يوكل إليه في صمت يحسده عليه كثيرون ...كان لديه طبيعة هادئة من النادر أن تخترق بإعتراض أو موجة من العصبية...وظل على حاله هذا حتى أحيل للمعاش...لا يعرف أغلب جيرانه إسمه بالكامل لكنهم يجلونه ويقدرونه إعجابا بصمته الذي كفاه عناء توضيح وجهة نظر أو فض مشاجرة ليس له دخل فيها أو التأمر على شخص ينافسه في محيط عمله...سعد الإسكافي لم تعرف روحه هذا النوع من التحدي وهذه القدرة على الصراع.....أفاق من شروده على صوت طرقات الباب...قام بخطوات بطيئة كأنه يتمنى في أعماقه أن يمل ذلك الطارق وينصرف...وعلى الباب وقف شاب نحيف يرتدي نظارة طبية كبيرة تكاد تبتلع وجه بالكامل...يتصبب عرقا...وسأله الشاب:الأستاذ سعد؟ بحذر:نعم.....الشاب:خطاب لك من باريس...تهلل وجهه بعض الشيء واخذ منه الخطاب في لهفة وأعطاه نظير تلك البشارة وأغلق الباب...وعلى أقرب كرسي جلس سعد...يفتح الخطاب ...بعين دامعة كأنه يعرف ما فيه قبل أن يقرأه...كان من إبنه...سامر...إبنه الوحيد...هاجر منذ 10 سنين إلى باريس...مضطرا...وقرأ سعد بصوت مسموع:"أبي...كيف حالك؟..أتمنى أن تكون في صحة جيدة...أنا بخير وبرجيت أيضا بخير...أه نسيت أنك لا تعرفها...إنها زوجتي تعارفنا منذ عام وتزوجنا وهي الأن حامل في سبعة أشهر...لك مني كل التحية...إبنك سامر"...وانسابت الدموع من عينه وتسائل!!!...من أين جاء ولده بتلك الغلظة وذلك الجفاء!!...أهذا كله بسبب خطأ وحيد...خطأ قد يقع فيه كل الرجال!! وألقي بالخطاب بطول يده وفي عينيه غضب كبير...وألم أكبر....
وقف في المطبخ يصنع لنفسه فنجانا من القهوة...وضع البن في القدح وارتعشت يده وسقط البن...وشرد...عاد إلى الوراء....إلى ما قبل خمسة عشر عاما مضت...كان وقتها في أوج سلطانه داخل الوزارة...نال رضا رؤسائه بصمته عن كل تجاوز وفساد...ونال حب مرؤوسيه لعدم تزمته وصبره على أخطائهم وأنحراف بعضهم...ماتت زوجته منذ زمن...منذ أن تزوجها وهي مريضة عليلة...تعبت في ولادة إبنه الوحيد ومن بعدها وهي تعاني من دوار مزمن ألزمها الفراش فترة ليست بقليلة....وماتت..وانشغل هو بتربية الطفل ....وبعمله أيضا...حاول أن يتزوج لكنه كان مترددا بعض الشيء ولا يدري لماذا....حتى رآها...."زبيدة"...كانت شابة بالكاد تبلغ خمسة وعشرين عاما وكان هو في الخامسة والأربعين...جاءت كموظفة جديدة في الوزارة ...مرتبكة...مرتعشة...تم تعيينها في مكتب السكرتارية التابع له...وبعد يومين تبدد داخل زبيدة كل أرتباك وتحولت رعشتها إلى رقصة تتمثل في مشيتها متمايلة تتهادى ...وأعجبته...وجد فيها التعويض الكافي عن سنواته التي قضاها أعزبا...ورأت فيه طريقا سهلا لتحقيق طموحا ورفعا من البيئة التي طالما احتقرتها ...كانت لديها دائها تلك النزعة المتطلعة على الدوام....وتزوجها...وتبدل حاله...كانت تتحكم في مقادير حياته...ماذا يرتدي...كيف يأكل..كيف ينفق...بل كانت هي التي تنفق بعد أن يعطيها راتبه طواعية...كان سبب أرقها الوحيد هو ...سامر...إن زوجها يحبه كثيرا وفي ذلك منافسة صارخة لها...وكانت تسيء معاملته وكان هو في العشرين وكل شيء في داخله يتمرد على سيطرتها وعلى ضعف أبيه وصمته حيال ما تفعل...وفي ليلة وضحاها...سافر سامر دون أن يخبر أباه...بعث له خطابا من فرنسا يخبره أنه هناك ولن يعود متمنيا له السعادة مع تلك التي تزوجها...واليوم....كان ثاني خطاب منه منذ أن هاجر مبتعدا...زبيدة...ملكت عقل سعد... جعلته عن طيب خاطر منه ألعوبة... وأغدق عليها المال...حتى إرث أبيه إستحوذت عليه...وببرود وثقة...طلبت الطلاق...قالت له:انت عجوز متهالك وانا شابة لا تحكم علي بفناء عمري القادم مع مثلك...توسل إليها...رجاها...ركع عند قدميها...ذرف الدمع من أجل أن تظل معه...ولم يشفع لها ذلك عنده....هو الآن وحيدا...باكيا...خسر ولده الوحيد..وخسر تلك الماكرة التي أحب...
صوت الآذان يرتفع معلنا عن صلاة العشاء...كأنه يسمعه للمرة الأولى..لم يكن مواظبا على الصلاة...لكنه شعر أنه بحاجة إلى تلك السكينة...توضأ...دخل أقرب مسجد قابله...صلى...تبتل...دعا...بكى بكاءا حارا....ثم جلس...إقترب منه شيخا ...ربت على كتفه وجلس إلى جواره...وسأله: ما بك؟...وكأنه كان ينتظر ذلك السؤال من أي أحد...وظل يروي ويقص ويسترسل عن مآساته... والشيخ يستمع وإبتسامة الرضا تعلو وجهه ثم صمت...صمتا طويلا مجهدا... قال الشيخ: هون عليك...لقد أوجعت نفسك بنفسك....تجلت في عيون سعد نظرة حائرة متسائلة...فأجابه الشيخ دون أن يسأل:يقول نبي الرحمة" يا معشر الشيوخ إياكم والشباب...قالوا لم يا رسول الله...قال:نار تندلع وماء ينقطع"...لم يسمع سعد يوما بهذا الحديث...لم يكن يوما متدينا إلى الحد الذي يجعله حافظا للأحاديث...ووقعت الكلمات في قلبه...ربت الشيخ على كتفه وقام منصرفا...وهو جالس يردد في ذهول حزين....نار تندلع ....وماء ينقطع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق