الخميس، 2 فبراير، 2012

قصة قصيرة


بتول الحب ... وسيف العسكر
هو...سيف المحمدي...مقدم في سلاح الصاعقة بالجيش المصري ، طبيعته الملتزمة وتربيته العسكرية فرضت عليه سياجا من العزلة...وأحب هذا السياج...واعتبره مع مرور السنوات فاصل بينه وبين الكثير من المتطفلين...صرامته البادية على وجهه كست ملامحه الوسيمة بإطار فولاذي جعلته يبدو في بزته العسكرية مخيفا لكل القريبين منه ...وكان سعيدا بهذا ويراه هيبة لابد منها...توفي والده منذ سبع سنوات وتوفيت أمه وهو في العاشرة من عمره...والآن هو وحيدا...ولم يلقي بالا لهذا يوما.
هي...بتول المسيري...كاتبة وشاعرة ولديها صالون أدبي...ولدت لأب مصري يعمل في السلك الدبلوماسي بدرجة سفير مفوض وأم هولندية قضت نحبها في حادث صيد ... جميلة ...جمعت في جمالها برودة الغرب وسحر الشرق ...درست الأدب الفرنسي في جامعة السوربون وتنقلت مع أبيها من بلد إلى أخر بحكم عمله لذلك لم تكون صداقات ولم تشعر بالاستقرار يوما...تزوج أبوها فتاة برازيلية وعاش معها في البرازيل وعادت هي إلى مصر واستقرت فيها.
هو...حياته تدور وفق نظام وجدول زمني صارم...يستيقظ في الخامسة صباحا الرياضية وينزل ليمارس رياضة العدو لمدة ساعة يوميا ليعود ليستحم ويتناول إفطاره ثم يرتدي بزته العسكرية ويذهب إلى وحدته في تمام السابعة صباحا...في الرابعة بعد الظهر يعود إلى البيت...يتناول غدائه...وينال قسطا من الراحة لمدة ساعتين...ثم يذهب إلى النادي لممارسة رياضة الجودو المفضلة لديه وفي التاسعة يطالع التلفاز لمدة ساعة ثم يخلد إلى النوم هكذا...كل يوم...بدون ملل أو ضجر .
هي ...يبدأ يومها من حيث ينتهي يومه هو...تستيقظ في الخامسة بعد الظهر...تتناول إفطارها وتشعل سيجارتها في كسل ...تبدأ في إجراء إتصالات هاتفية أو تلقيها...تستحم...تذهب إلى الصالون ثم إلى الفندق المفضل لها حيث صالونها الأدبي....زحام حولها من أناس يرون في أنفسهم سطوة الفن وجنونه...هم فقط يرون ذلك...كلام حول دنيا الأدب والفكر دائما ما ينتهي إلى حديث لا يرقى أبدا إلى ما يدعونه...ثم تذهب إلى سهرة لدى أحد من هؤلاء ...لتظل تضحك وتشرب...هي تعشق الخمر...جذورها الهولندية وتربيتها الغربية جعلتها لا ترى في ذلك أمرا مشينا... تعود في الخامسة صباحا أو بعد ذلك بقليل.
العامل الوحيد الذي يجمعهما .....يسكنان في بناية واحدة!!!!
هو...في يوم من أيامه التي لا تتغير أبجدياتها ... نزل ليتريض كعادته ...نظرة سريعة على ساعة يده جعلته يرتد عائدا إلى البناية...يصعد درجات سلم مدخلها ...كان دائما يكره المصعد...كان يراه قد صنع من أجل كبار السن أو المرضى فقط...وهو ليس كذلك...
وأمام المصعد ...رأها أول مرة...تقف ووجها للمصعد في انتظار وصوله...وظهرها له...كل شيء فيها يبدو صارخا...مكياجها صارخ...فستانها القصير يكشف عن أغلب ساقيها...عطرها الذي يملأ مدخل البناية...سيجارها الذي تنفثه كأنها تطرده...وتوقف مرتبكا...لم يشاهد ذلك النموذج من قبل...حياته لم تكن بها متسعا للنساء......علاقته بالنساء توقفت عند أمه وكفى...جديته وصرامته وطبيعته المتحفظة كانت تتعارض دائما مع أي علاقة تخترق نظام يومه السرمدي...جاء المصعد...دخلت وهمت بإغلاق الباب ...ورأته واقفا يطالعها بعين غلب عليها التوتر...إبتسمت له إبتسامة من إعتادت ذلك وسألته:صاعد؟....صمت قليلا ثم هز راسه نفيا دون أن يتكلم ....إتسعت إبتسامتها لتتحول إلى ضحكة خليعة وأغلقت المصعد وصعدت...ووقف يطالع المصعد بعينيه...وقد وقعت إبتسامتها في قلبه.
مضى يومه ككل أيامه ...لم يتغير شيئا من برنامجه الإلزامي...وعند التاسعة ...وقت عودته من النادي...وفي مدخل البناية...توقف...عطرها إصطدم بأنفه...فأربك عقله ووقف متلعثما يتلفت بحثا عنها...ولم تخيب الأقدار ظنه... وانشق المصعد عنها......بمكياجها الذي تبدو فيه وكأنها تعانق الكون...وعطرها الذي يأسره ...وفستان الصارخ الكاشف...وجرأتها تربكه...تسقط عنه وقاره الذي يعتز به...طبيعته العسكرية تنهار أمام تلك الكاريزما الطاغية...ووقف مكانه متسمرا...وخرجت مسرعة من المصعد ونظرت إليه وهو واقف...فأطلقت ضحكتها الخليعة وهي تقول ضاحكة....أما زلت تقف هنا منذ الصباح؟ ...تلعثم قليلا ثم أعتدل في وقفته وعقد ساعديه أمام صدره مجيبها بلهجة تعمد أن تكون هادئة...وأنتي...أهذه ضحكة جديدة أم صدى ضحكتك تتردد منذ الصباح؟...أحست أنه يسخر منها فزمت شفتيها في غضب ونظرت إليه بعين ساخطة وبادلها هو النظرة ببرود وتحدي...كان يحاول أن يتغلب على ذلك الضعف الذي يسيطر عليه حين يراها...ونجح في إخفاء تأثره...وفي إهانتها أيضا ...أسرعت من أمامه غاضبة ...ووقف يطالعها بتشفي..وبكثير من الإعجاب...وأدرك أنه ليلته هذه لن تكون كباقي لياليه وأنها ستزاحمه في عقله....ونومه .
لم تستطع "بتول" أن تمضى ليلة ماجنة كما اعتادت...وسامته وصرامته قد أحدثا بداخلها الكثير...كلامه اللاذع وتعليقه الساخر يلسعانها كالسياط...أنها غاضبة...ومنذ زمن لم يستطع رجلا أن يغضبها...أحبت وتزوجت رجلا يكبرها في أوكرانيا وسرعان ما أنفصلت عنه ومن يومها والرجل إما حولها يخطبون ودها أو تحت قدميها يرجون رضاها...وراحت تتساءل من هو؟.....ولأول مرة منذ سنوات تعود من سهرتها مبكرا....لعلها تلقاه ...وبخلت عليها الصدفة بلقاء أخر لتقضي الليل بطوله تحلم بلقاء جديد......عند المصعد.
قطع "سيف" درجات السلم صباحا في طريقه إلى وحدته العسكرية ...لم يعاند أو يكابر...كانت صورتها تقطع عليه منامه وتنغص عليه ليله...إنها تبهره...وهناك شيء في داخله يتمناها...وأحساسه هذا يتقاطع مع ما تربى وكبر عليه...وصرامته وجديته يرهقانه حين يفكر فيها...فيعود مرتدا طاردا صورتها من عقله....وكان يراهن نفسه أنه سيراها اليوم...أو هكذا كان يتمنى...وعلى باب المصعد ....كانت تقف...مبتسمة رغم الإرهاق البادي على ملامحها...
بتول:صباح الخير....أجابها مترددا:صباح الخير...بتول مبتسمة:هذه أول تحية بيننا منذ كلماتك اللاذعة....هو بإبتسامة خرجت على الرغم منه:لم تكن كلماتي بقصد السخرية بل...قاطعته بلهفة:بل ماذا؟...تهدجت أنفاسه وهو يقول :كنت أظنها كلمات غزل...إتسعت إبتسامتها وسألته في دلال:ماذا تعمل....أجابها وقد غلبت عليه نشوته العسكرية:مقدم في سلاح الصاعقة...جاء جوابه مفاجئا لها...لم تتعامل مع ظباط من قبل...وأعجبها إجابته...ومهنته...ونظرت إليه في إعجاب لم تحاول إخفائه وقالت:سنلتقي ثانية ....واتجهت نحو المصعد....ووجد نفسه يردد في آلية:أتمنى ذلك......ولأول مرة ....يصل "سيف" إلى وحدته متأخرا...لقد أربكت "بتول" ساعته البيولوجية.......ولأول مرة...تقضي بتول صباحها مستيقظة...تفكر في ذلك الـ.....الصاعقة الذي هبط عليها من منطاده.
تغيرت خريطة "سيف" اليومية...أصبح للمصعد أهمية خاصة في حياته...فهو المحطة التي يتلقيان فيها...وأحب تلك المحطة...وهي...أصبحت تتعلل بأشياء تختلقها كي لا تذهب إلى صالونها الأدبي...تراه أهم...ومعرفته والتقرب منه أشد إثارة...وبدءا يتقربان من بعضهما ...تبادلا أرقام الهاتف وكانا يقضيان الليل يتحدثان ....وأنبهاره بجرأتها وإنبهارها بنقاءه تتبلور داخل كل منهما بسرعة وأندفاع...والسرعة تعجبهما...والاندفاع يزيدهما نشوة.
ورغم الضعف والتخبط الذي يجتاح "سيف" عندما يراها ويتحدث إليها إلا أن جديته وحدته دائما ما تبرز خلال تعاملهما سويا...إختلفا يوما حول طبيعة المرأة هي تراها أرق وأهم وهو يراها أقل شأنا من ذلك...ومع سخونة الحوار أسهبت "بتول" في الحديث وسرقها الإنفعال فإذا بـ"سيف" يخرسها بصوت عسكري حازم قائلا:"أصمتي"........وصمتت...إنبهارا وليس غضبا...أنها تذوب أمام تلك الهيمنة والصرامة...لم تقابل هكذا رجلا من قبل...وأحبته....وسلبته عقله.......وقلبه بالطبع...اتصلت به يوما ليلا قائلة:أتحب الأفلام؟ سيف: نعم...بتول:معي فيلم لـ أل باتشينو تعالى نشاهده معا...سيف مندهشا:نشاهده معا!!!أين؟ بتول وهي تخفي ضحكة ماكرة:هنا ...عندي في البيت...الأرتباك يبدو واضحا في صوته :عندك!!! ولكني أفضل أن......قاطعته:سأنتظرك لا تتأخر...................على باب شقتها وقف سيف مترددا...وانفتح الباب ليقطع تردده...ووجدها امامه وخارت كل مقاومة بداخله...دخل إلى الشقة وهي تنظر إلى عينيه في جرأة...سألها مرتبكا:أين الفيلم؟...ضحكت بدلالها المعهود :أكيد ليس على باب الشقة....تفضل...جلس على أقرب أريكة وعقله يرتج داخل رأسه بقوة...إنها تقتل داخله كل مقاومة...تقتحمه بشدة...عطرها يسرقه ويمحو كل أثر لمقاومة...وثوبها ينسدل على جسدها في نعومة أكبر من إحتماله....وجاءته بشراب التوت...هو يرفض الخمر وهي تعلم ذلك فشاركته شراب التوت...وجلسا متجاورين...يطالعان الفيلم...هي...تشعر بأنفاسه المتهدجة...وهو ليس هنا...عيناه لا ترى الفيلم بل تراها هي فقط...يجلس بجوارها يطالعها بطرف عينيه...واستكانت فوق صدره ولم يقاوم...سألته أتحبني؟ اجابها:وهل هناك من يملك آلا يحبك؟.......
في الصباح...إستقيظت "بتول" لم تجده بجوارها...راحت تبحث عنه في أنحاء المنزل...لم تجده...وجدت ورقة مطوية...فتحتها لتقرأ:"بتول" سامحيني..إنني أحبك لكنك أقوى مني ...سطوتك على شخصيتي ترهقني...جاذبيتك تضغط على أعصابي وتشعرني أنني لاشيء والرجل يحب أن تكون يده هي العليا على من يحب ..أن يكون في حياتها كل شيء...لا أستطيع أن اواصل...سأبتعد...أحبك...وغامت الدنيا أمام عينيها.........
هو...داخل وحدته العسكرية وقف يطالع تدريبات الجنود من نافذة مكتبه...عيناه فقط ترقب ...وعقله موجود حيث هي...لقد سرقته...باغتته...هي أقوى منه ولا شك...وهو يحب عالمه الذي تعود عليه...تعود أن يكون متبوعا لا تابعا...مرغوبا لا راغبا...وهي تفقده كل ذلك ...وهو يحب كونه قويا مسيطرا ولا يستطيع أن يكون غير ذلك...أفاق من شروده وهز كتفيه أسفا ووقعت عيناه على جنديا فناداه بصوت هادر فأسرع الجندي إليه مرتعدا فقال له سيف بصوت آمر:لماذا تبدو غير مهندما وحذاءك رثا...محروم من الإجازة ...إنصراف...إرتد الجندي إلى الخلف مبتعدا مرتجفا....ووقف "سيف" يطالعه في نشوة...ثم نظر المرآة وأخذ يطالع نفسه في خيلاء قائلا: الحكمة القديمة تقول" إن السعادة لم تخلق للعظماء...وانا واحد منهم ولا شك..........
هي...تدور في المنزل وتقطعه شرقا وغربا كأنها تبحث عن شيء...لقد خطف قلبها ورحل...إختراق حواسها ومضى مبتعدا ...ترك فيها الأثر كرجل....وولى بعيدا.... دخلت إلى حجرتها....اخرجت جهاز الجرامافون الذي تعتز به...وجلست تستمع  وهي تنتحب إلى صوت نزار قباني وهو يقول:
متي ستعرف كم أهواك يا رجلا...أبيع من أجله الدنيا وما فيها
يا من تحديت في حبي له مدنا..بحالها...وسأمضي في تحديها
لو تطلب البحر في عينيك أسكبه...أو تطلب الشمس في كفيك أرميها
أنا أحبك....فوق الغيم أكتبها...وللعصافير والأشجار أحكيها
أنا أحبك....فوق الماء أنقشها...وللعناقيد والأقداح أسقيها
أنا أحبك يا سيفا أسال دمي...يا قصة لا أدري ما أسميها
أنا أحبك حاول أن تساعدني فأن من بدأ المأساة ينهيها
وإن من فتح الأبواب يغلقها وأن من أشعل النيران يطفيها





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق