الثلاثاء، 1 مايو، 2012

مات متأثرا.....بلحيته


مات متأثرا.....بلحيته
"أخي الغالي محمد...مرفق مع خطابي هذا حقيبة ملابس لابنتي ياسمين ، و شيك بمبلغ 1000 جنيه لك...أعلم يا أخي أنه منذ تخرجك لم تستقر في عمل بعد ...لذا فهذا المبلغ هو لك ...كيف حال ياسمين يا محمد؟ هل تراها؟ أشتاق إليها كثيرا...منذ أن أنفصلت عن أمها لم أرها تقريبا...لكن أنفاسها تطوقني هنا في غربتي...أبلغها حبي وأرسل لي صورتها لو استطعت...أخوك خالد".
هكذا جاء خطاب خالد إلى أخيه "محمد" الذي مط شفتيه في أسف وهو يتذكر تجربة زواج أخيه المريرة التي إنتهت بطلاق بائن بينونة كبرى...جدا...خرج منها خالي الوفاض إلا من إبنته الصغيرة "ياسمين" والتي تبلغ ست سنوات الأن لم يرها شقيقه خلال تلك السنوات الست إلا مرتين على الأكثر داخل قسم شرطة لمدة نص ساعة ، أبى بعدها شقيقه أن يضع إبنته في تلك الحالة وتلك الظروف مفضلا عدم رؤيتها على دخولها قسم شرطة ومرورها بحالة الشتات بين نظرات أبيها الملتاعة وتوصيات أمها بالإبتعاد عنه..وعند أول عرض للسفر تشبث به وسافر إلى السعودية.
نهض محمد من مقعده في تكاسل من تعود على الجلوس طويلا ، حمل أدوات الحلاقة ودخل إلى الحمام....وقف أمام المرآة متأملا ذقنه وخديه الملتهبين متمتما: ملعونة هي الفراولة التي تلهب بشرتي رغم حبي لها!!!سأتركها على حالها لأيام حتى يهدأ الإلتهاب ، ثم شرع في خلع ملابسه واستحم على عجل وخرج ليستبدل ملابسه ، سنوات خمس مرت منذ أن تخرج محمد من كلية التجارة لم يجد فيها عمل يناسب ولو الحد الأدنى من طموحه...عمل في مصنع للسيراميك لمدة اسبوع أصر فيها صاحب المصنع على أن يجعله يوقع على شيكات بمبلغ كبير حتى يركن إليه ويطمئن إلى وجوده وهو ما رفضه محمد مفضلا الجلوس في بيت أبيه على العمل تحت رحمة سيف الشيكات خاصة وأن طبيعة العمل بعيدة كل البعد عن مبتغاه.
أمسك بهاتفه متأملا ومترددا ....كانت مكالمة طليقة أخيه بعد ما كان بينهما من منازعات هي الأثقل ظلا على قلبه ...لكنه مضطر حتى يحدد موعد ومكانا يقابلها أو أحد من طرفها ليسلمها الملابس التي أرسلها أخيه إلى إبنته "ياسمين"....أخذ نفسا عميقا ثم أجرى الإتصال ....جاء صوت إبنة أخيه عذبا محببا بعد طول غياب....سألها:"ياسمين" كيف حالك؟ ياسمين ببراءة وحيرة: من أنت!!! ثانية..أمي قادمة....محمد:لالالا ياسمين إنتظري أريد أن.....جاءه على الجانب الأخر صوتا أنثويا باردا متسائلا:ألو ....من؟ تلعثم محمد قليلا ثم قال هامسا: السلام عليكم ...أنا محمد....الصوت الأنثوي في تساؤل حذر:محمد!!! محمد من؟ محمد بصوت أكثر تلعثما:محمد....محمد شمس الدين...أخو خالد.....واستشعر كيف تبدل الصوت وتحول من صوت متسائل إلى صوت متضايق غاضب ساخط :نعم؟ ماذا تريد أنت أو أخيك؟...جاء صوته هادئا بعض الشيء : خيرا...لست أنا أو أخي نريد شيئا كل ما في الأمر أن أخي قد بعث بأشياء من السعودية لإبنته وأريد موعدا منك كي أقابلك أو أحد من طرفك لأسلمك تلك الأشياء إن أمكن.....ساد صمت لثواني قبل أن يأتي صوتها آمرا قاسيا لا يقبل جدلا:يوم الثلاثاء القادم سينتظرك أبي عند مجمع الجيزة في تمام الثامنة مساءا....وأغلقت الهاتف....تنفس محمد الصعداء أنه استطاع أن يقتنص منها موعدا ....جل ما كان يرجو تحقيقه أن يستطيع تنفيذ وصية شقيقه وتصل الملابس إلى إبنته.
في الموعد المحدد وبعد أسبوع تهيأ محمد وتأنق وتهندم....لم يكن يدري لماذا يحرص كل هذا الحرص على أناقته وهو ذاهب ليقابل والد طليقة أخيه في مقابلة لن تتعدى الدقائق...أغلب الظن أن تأنقه كان مرجعه أنه لا يخرج من البيت على الإطلاق سواء كان لمقابلة هامة أو غير هامة...كان إحباطه قد ألزمه بيته...كان ينام عدد ساعات تزيد على نصف اليوم بقليل ليستيقظ فيتناول ما تيسر له من الطعام ويجلس ليشاهد التلفاز حتى ساعات الصباح الأولى...هكذا كانت أيامه...بل سنواته الخمس الماضية.
كانت لحيته قد طالت وتكاسل عن حلاقتها وكانت فرصة لذقنه وخديه الملتهبين حتى يخف إلتهابهما ...واستقل سيارة ميكروباص حتى شارع المحطة وعبر الشارع ووقف أمام مجمع الجيزة منتظرا...كان يرقب كل سيارة قادمة ...ويتأمل كل فتاة تمر من أمامه ويبتسم...كانت حالة العطل المفاجيء والمستمر في مستقبله المهني قد منعه حتى من الحلم أو التفكير في أي فتاة....لذا وقف يتأملهن...ويبتسم..في صمت غضوب....توقفت سيارة فيات قديمة أمامه فاقترب محمد ومال برأسه نحوها ظنا منه أنه والد طليقة أخيه ....ولكن عيناه اصطدمت بشخصين يطالعانه بعين فاحصة وبادره من يجلس بجوار السائق قائلا وعلى شفتيه إبتسامة صياد:واقف كده ليه يا شيخ؟؟ تفاجأ محمد بالسؤال وبلقب "شيخ" الذي لم يتعود أن يناديه أحد به وصمت لبرهة ثم سألهما:ومين اللي بيسأل؟؟ إختفت إبتسامة الرجل وحلت محلها نظرة صارمة قائلا:إحنا أمن الدولة يا شيخ واحنا اللي بنسأل مش أنت واقف كده ليه؟؟ بدا الارتباك واضحا على محمد فهو لم يتسنى له أن يصطدم بأحد من هؤلاء من قبل ...وقف مرتعبا مذهولا ثم أجاب:أنتظر والد طليقة أخ......قاطعه الرجل الذي يجلس على مقعد القيادة قائلا في غلظة:أنتوا كترتوا أوي يا ولاد الـ(......) وبئيتوا أكتر من الدبان وبصراحة أنا دمي بيفور لما بشوف واحد من أشكالكوا.....بدا الوجوم على وجه محمد ولم يعرف من يقصد بالناس اللي كتروا وبئوا زي الدبان...عاجله الثاني بسؤال أنتزعه من وجومه قائلا:بطاقتك يا شيخ...رد محمد في ذهول:بطاقتي ليه؟ وبعدين أنا مش شيخ....أطلق الرجلان ضحكة مجلجلة وترجل أحدهما من السيارة ووقف أمام محمد يتحسس لحيته بسخرية قائلا:أومال دي مربيها ليه؟؟ موضة؟ ثم صرخ فيه:بطاقتك.........أخرج محمد بطاقته في فزع وأعطاها له....تأملها الرجل قليلا ثم رفع عينيه إليه قائلا في لهجة من تعود أن يقول ذلك:راجعنا في أمن الدولة يا شيخ بكرة الساعة 5 مساءا ولو مجيتش أحنا هنعرف نجيبك....وانطلقت السيارة في سرعة مطلقة دخانها الخانق فأطبق على صدر محمد الذي وقف مشدوها يراقب السيارة وهي تبتعد في دهشة وخوف....نسى تماما أمر ياسمين وأخيه ووالد طليقته وعاد إلى البيت ...قلبه يدق ويتصبب عرقا ولا يدري أما حدث قد حدث حقا أم أنه كابوس ثقيل وسيفيق منه!!! وأخذ يتمتم في خوف ...نعم إنني أنام كثيرا لابد أنني الآن نائم أحلم...ولكن متى أستيقظ؟؟ أتمنى أن أستيقظ قبل ميعادي هناك غدا....دخل البيت...جلس متهالكا على أقرب كرسي ....وجلس يستحضر المشهد مرة...ومرة ...ومرات...وفي كل مرة يدق قلبه في قوة وهو يتذكر نظراتهما الجامدة الغليظة المعدنية التي كانت تتفحصه كأنها نظرات صياد يتفحص فريسته...أنفاسهما كريهة خانقة...إبتسامتهما متشفية كارهة ولا يدري لماذا....إستند برأسه على مقعد الكرسي وأخذ قلبه يدق في عنف وهو يتساءل....هل سيأتي موعد الغد أم أن هذا كله سيغدو كابوسا مفزعا.

لم ينم محمد ليلته...أخر ما كان يرجوه من يومه هذا أن تزداد مشاكله بمشكلة هي الأكثر تشتيتا وفزعا له...ظل طول الليل يتذكر كل ما سمعه من أصدقائه وكل ما قرآه في بعض صحف المعارضة عن أمن الدولة وما يدار ويحاك بكثيرين من استجوابات وتعذيب مرير هناك...بل إن ذاكرته استحضرت كل الأفلام التي ناقشت وحشية ذلك الجهاز...نور الشريف في "الكرنك" عادل إمام في "إحنا بتوع الأوتوبيس" رشدي أباظة في "شروق وغروب" وظل طوال الليل يرتعد...ويبكي...ويصرخ قائلا:أكل المشاكل في يومي وحياتي قد انتهت لأبتلي بتلك المصيبة...ولم يهدأ...وعلى غير عادته قام وتوضأ...وصلي الفجر وأخد يدعو الله أن يفك عنه ذلك الكرب وأن ينساه هذين الرجلين أو يتناسياه....وفي الصباح..كان الإرهاق قد تملك منه والنوم قد غدر بمقلتيه فهرب بعيدا...إتصل بكل اصدقائه وقص عليهم ما حدث يسألهم المشورة وكلهم أشاروا عليه بضرورة وجود محامي معه أثناء ذهابه...وكلما حادث محاميا أعتذر وتمنع مبديا خوفه من الدخول في هكذا أمر...وقرر الذهاب وحده وليكن ما يكون...كان يرى أنها خطوة خير له أن يخطوها من أن يقف ينتظر في خوف......وذهب.
إستقل تاكسي على غير عادته نتيجة أزمته المادية المزمنة وذهب...كان الخوف يملأه مما جعله لا ينصت لكل ما قاله سائق التاكسي الثرثار...لم يدري كم دفع للرجل قبل أن يترجل من السيارة..إنه عقله ليس هنا....بل داخل ذلك المبنى المهيب الكئيب الذي يبدو أمامه وكأنه سجن القلعة.
على بوابة مباحث أمن الدول وقف رجلا ضخما يحمل في يده رشاشا آليا وينظر إلى المارين بعين فاحصة...تقدم محمد بخطوات مرتعشة وقال:السلام عليكم.....الرجل:نعم...محمد متلعثما:أنا محمد شمس الدين!!... الرجل في غلظة:وبعدين يا سي محمد شمس الدين؟...بدى الأرتباك أكثر على محمد فاخذ نفسا عميقا وقال:أنا مطلوب للاستدعاء هنا أنهاردة...لمعت عين الرجل وحل محل النظرة الفاحصة نظرة شامتة ثم قال في سخرية:أهلا أهلا سي محمد شمس الدين...ثم صاح مناديا:يا فتحي....فتحت البوابة وخرج من وراءها شابا نحيلا رث الثياب يقول :أفندم....نقل الرجل عينيه بين فتحي ومحمد في سخرية وهو يقول: محمد بيه شمس الدين يا فتحي مطلوب للاستدعاء عندنا خدوا وصلوا جوه وريحوا على الأخر....إتفضل يا محمد بيه والنبي لانتا متفضل يا شيخ.....تخطى محمد حاجز البوابة في تردد وحذر والرجل يتابعه بنظرة شامتة وفتحي يسير إلى جواره ويسأله في صوت خافت:هو انت عملت ايه يا شيخ؟...نظر إليه محمد في ضيق قائلا: يا سيدي أنا مش شيخ واللي حصل إن في اتنين خدوا بطاقتي وطلبوا مني أراجعهم هنا....نظر إليه فتحي في إشفاق وقال: وجاي لوحدك!!!عموما ربنا معاك....وفي نهاية ممر طويل طرق فتحي باب حجرة ثم فتح الباب وغاب لثواني والخوف يكاد يعصف بمحمد...ليخرج فتحي وينظر لمحمد في آسي ويقول:إتفضل يا شيخ...خطى محمد إلى داخل الغرفة بخطوات ثقيلة مرتعشة وخياله المنهار يصور إليه أنه سيجد بالداخل ذلك البشع الذي اغتصب سعاد حسني في "الكرنك" ...كان بداخل الغرفة رجلا في منتصف الثلاثينات يطالع ورقا بيده ولم يهتم بدخول محمد ولم يبادره حتى بنظرة...وإلى جواره وقف أحد الرجلين الذين استوقفاه يتأمله وعلى شفتيه إبتسامة نصر...وقف محمد صامتا لا يدري ماذا يقول...خمسة دقائق تقريبا والمشهد متوقف هكذا..محمد في أحد أركان الغرفة والرجل الجالس يطالع الورق الذي في يديه...والأخر يقف إلى جواره صامتا ينظر إلى محمد في شماتة...رفع الرجل عينيه إلى محمد في تراخ ومط شفتيه في ملل وهو يسأل الرجل الذي بجواره:مالوا ده؟ مال الرجل على أذنه وأخذ يهمس ويشير إلى محمد ووجه الرجل يتلون وملامحه تتبدل وحلت نظرات قاسية محل تلك النظرة المتكاسلة الملولة ثم قام من على كرسيه وتقدم نحو محمد ببطء ووقف أمامه مباشرة يتفحصه بعناية ثم وقف خلفه وسأله بصوت خافت كالفحيح:كنت بتعمل ايه عند مجمع الجيزة يا شيخ...محمد في خوف:حضرتك أنا كنت واقف مستني أبو طليق........وهوى الرجل بصفعة على مؤخرة رأس محمد زلزلت كيانه وهو يقول بصوت هادر:انت هتغني عليا يا ابن الـ.... إنطق ياض كنت بتعمل ايه هناك؟ لم يبذل محمد أي مجهود لذرف الدمع فما أن وقعت يد الضابط على مؤخرة رأسه حتى تقافزت الدموع من عينيه وصرخ كأنه كان ينتظر تلك الصفعة ويتخوفها....لم يستطع محمد الرد ...كانت الصفعة قد ألجمته...دار الضابط حوله ثم سأله بصوت قاسي:بتنتمي لأي جماعة يا روح أمك؟ محمد باكيا:حضرتك أنا مليش خالص في الكلام ده دنا حتى مبصليش....الضابط ساخرا: وحياة ماما!!! يبني الكلام ده تصيع بيه في أي حتى إلا هنا ...أنت هنا ورا الشمس...تسمع عن ورا الشمس؟ هز محمد رأسه موافقا وهو يبكي...نظر الضابط إلى المخبر الذي وقف يرقب ويبتسم وأشار إلى محمد قائلا: يا حنفي...محمد ضيفنا ...إكرموه ولما يشبع من الضيافة هاتهولي...إتسعت إبتسامة المخبر وتهلل وجهه وهو يقول بصوت عال:أمرك يا باشا...ثم تقدم من محمد وأحكم قبضته على ياقة قميصه يجره جرا ومحمد يصرخ يحاول أن يتخلص من قبضته قائلا:بس أنا معملتش حاجة كل اللي عملتوا أني كنت واقف في الشارع ولا هو يعني الوقوف في الشارع حرام!!!....خرج الضابط خلفه بخطوات محمومة وأمسكه من تلابيب قميصه ونظر في عينيه مباشرة وسأله في نشوة:تختارلك اسم يليق بوجودك هنا ولا نختارلك احنا يا حليوة؟ لم يفهم محمد السؤال وظهرت الحيرة على وجهه ولم يجب...دفعه الضابط بعيدا وهو يقول ويلوح بيديه في حركة مسرحية:خلاص يبأة نختارلك احنا...ثم تابع في نظرة مخيفة:انت من انهاردة اسمك "مادلين"...ثم قهقه ضاحكا ليردف:اسم جميل مش كده؟ طب والله خسارة في أمك........حاول محمد أن يبدو صلبا بعض الشيء فصرخ قائلا:أنا محمد وراجل وليا حقوق ومش من حقكوا تحتجزوني هنا بدون إذن نيابة و.....وابل من الصفعات والركلات إنهالت على وجه محمد وجنبيه وكل جسده حتى سقط أرضا وأخذ المخبر يسحبه من يده بقسوة وغل حتى ألقاه منهكا متعبا محموما مخضبا في دمائه على أرضية باردة في حجرة مظلمة...وساد صمت مطبق!!!.
وقت مر لا يدري محمد دقائق أم ساعات....أغمي عليه والغرفة مظلمة وأفاق وهي مظلمة أيضا...أخذ يتحسس وجه وجسده ويتألم ...ويتسائل...كل هذا من أجل ماذا؟؟!! ماذا فعلت وماذا جنيت؟؟ إنني في أخر مكان يجب أن أكون فيه!! لم أكن يوما متدينا صاحب أراء صلبة أو سياسيا أهتم بشؤون البلد حتى أكون هنا فلماذا!!! صوت الباب يفتح...يدخل الضابط مندفعا إلى داخل الحجرة يركل محمد بقدمه صارخا:قومي يا مادلين الحفلة لسه مبتدتش يا حلوة....يركن محمد إلى أحد أركان الغرفة وهو يقول بصوت مبحوح:والله العظيم ما عملت حاجة....الضابط في سخرية:محنا عارفين يا حلوة انك معملتيش حاجة وهو احنا هنستنى لما (شر.....) زيك تعمل حاجة؟ إحنا واجبنا نقطع ديل (الشرا.....) اللي زيك كده عشان ميفكروش يرفعوا راسهم تاني....ونادى على المخبر صارخا:هات عليوة يا فتحي عشان مادلين....أخذ محمد يرتعش وينتفض ....ودخل المخبر يحمل في يده سوطا يقذفه في الهواء فيصدر صوتا مخيفا كالفحيح وناوله للضابط....نظر الضابط إلى محمد وأخذ يلوح بالسوط في وجهه وهو يقول للمخبر:ساعد بأة أختك مادلين عشان تقف كده ونعرف نلسوعها....تقدم المخبر من محمد وحمله مجبرا إياه على الوقف وربط يديه في حامل خشبي...وانهال الضابط جلدا على ظهر محمد وصرخاته تشق سكون الليل وهو يقول:ليه؟؟؟حرام والله!!طب حد يقولي أنا عملت ايه!!!طب حتى لو مكونتش عملت أنا اسف ووالله ما هعمل كده تاني....والضابط يرد في تشفي: من غير ما تعملي حاجة يا حلوة...ده مزاج وغية...تقدري تقولي كده إن أحنا جهاز الحكومة عملتوا لتكدير المواطنين وإفراغهم ذاتيا من كرامتهم...وظل يجلد في محمد حتى دخل في أغماءة جديد وهو يمني نفسه أن يموت أو لا يستيقظ أبدا.

قرب الفجر...أفاق محمد من غيبوته ليجد نفسه ممددا على قارعة طريق زراعي ...أخذ يتأمل المكان بعين مشوشة حتى استعاد كامل وعيه...فنهض فزعا يتلفت ويتحسس ملابسه الرثة وظهره المحموم المدمى...وأخذ يتوجع ويبكي...يبكي على نفسه وحظه العاثر وكرامته التي تجمدت لسنوات ثم انهارت....ولا يدري لماذا....تحامل على نفسه ونهض...وأشار إلى سيارة "لوري" راجيا سائقها أن يقله معه سائلا إياه :إحنا فين يا اسطى؟ نظر إليه السائق متعجبا ومتشككا وقال:إحنا في قليوب!!!إيه انت جاي طاير ولا ايه!!! قليوب!!! وليه جابوني قليوب!!! لم يطل تساؤله ...نظر إلى السائق وسأله:رايح القاهرة يا اسطى؟ تفحصه السائق في شك وقال:رايح رمسيس اتفضل....وركب....ظل محمد طوال الطريق صامتا...بمعنى أدق...باكيا في صمت...والسائق ينظر إليه بطرف عينيه بين الحين والأخر...كان محمد عاطلا عن العمل لسنوات لكنه محتفظا بكرامته داخل جدران بيته ولم يخطر في باله ولا بأكثر خيالاته سادية أن يحدث له ما حدث...كان يشعر أنه فقد ما تبقى من انسانيته...فقد كرامته...ورجولته من أجل سبب لم يتضح بعد..........عند رمسيس نزل محمد واستقل تاكسي إلى البيت...ولم يخرج بعدها محمد من البيت لأي سبب...أيا يكن ...لم يخرج...كان يرى أن خارج جدران ذلك البيت صفعة جديدة...وركلة موجعة أخرى...وسوطا ينتظر ظهره ليجلد لحمه...ونظرات شامتة ستقتلع ما تبقى من نقاءه.....كان ذلك في أغسطس من عام 2010.
في 25 يناير 2011 أنطلق وميض الثورة المصرية قويا مسيطرا ناهضا باعثا لهمم كل مصري...وكانت الدنيا كلها تتابع ما يحدث....إلا محمد...كان يسمع بحريق قسم شرطة الجيزة فيهز رأسه غير مباليا ويمط شفتيه في اسف على شباب كان يرى أنهم هالكون لا محالة...فمن ذا الذي يقوى على الصمود أمام سوط ينهال على ظهره داخل معتقل المغول المسمى بأمن الدولة!!! كان محمد يرى أن شباب 25 يناير سريعا ما سينهارون بعد أول صفعة وأبسط ركلة وعقب لسعة سوط واحدة...كان ينام طويلة ويصحو ليفتح التلفزيون ليعرف إلى أين وصلت الأمور....وفي 18 فبراير وعقب إعلان تنحي المخلوع بكى محمد...بكى كثيرا...أنهار في حجرته يبكي على كرامته وجسده المكدود...شعر أخيرا أن هؤلاء الشباب قد أعادوا إليه ما فقده من إنسانية دون أن يقترف ذنبا...شعر بمولد نهار جديد على وطنا لم يحبه إلى درجة العشق لكنه عاش فيه ستة وعشرون عاما....ارتدى محمد ملابسه على عجل ونزل يشارك الناس فرحتهم بنجاح الثورة...أمسك في يده يافطة كتب عليها "نعم أنا مصري ومش هوطي راسي تاني" ومشى بها حتى ميدان التحرير....ظل حتى الصباح يشارك الثوار فرحتهم....وعاد إلى البيت نشيطا فرحا يغمره الأمل....وقد تبدد الألم.

حصل محمد على وظيفة "مدخل بيانات" في أحد الأحزاب الوليدة في مصر وكان ذلك أسمى أمانيه...لقد أمنت له الثورة فرصة عمل....إن الثورة تحقق أهدافها...نعم تحقق رغم كل المشككين...وبدأ محمد يحلم...يحلم بفتاة يحبها...ويتزوجها...ولا مانع أيضا أن يرزقا بطفل...لقد أحب محمد الحياة بعد سنوات طوال...كان يعمل ويكد ويظل في مكتبه بعد ساعات عمله لساعات أخرى فرحا سعيدا بما هو فيه...ورغم أن منغصات ما بعد الثورة كانت قد بدأت في الظهور وحدثت أحداث "ماسبيرو" و "محمد محمود" و"المجمع العلمي" و"ستاد بورسعيد" إلا أن محمد ظل متفائلا.....لقد وجد عملا ....وكل شيء بعد ذلك سيعود أفضل مما كان...نعم هو على يقين من هذا.....وفي صباح يوم جديد أشرق على محمد وهو يدفع تفاؤله بجد وإخلاص ...هتف أحد زملائه في أذنه قائلا: أنهاردة في مسيرة لمجلس الشعب هنطالب فيها أعضاء المجلس بمناقشة اتفاقية تصدير الغاز لاسرائيل تيجي معانا؟ محمد في حماس: أه طبعا يا ريت ....زميله مبتسما: خلاص بعد ساعة نبدأ المسيرة....تراجع محمد في كرسيه وأخذ يردد في نشوى: يااااه أخيرا هحس أني عايش.
مسيرة حاشدة أنطلقت من شارع القصر العيني وشعارات قوية مزلزلة يطلقها شباب الثورة...آلاف خرجوا...وبينهم محمد...يصرخ بحماس وغضب....و...صوت نيران يعلو وقنابل مسيلة للدماء تطلق...وأناس يسقطون....وتدافع وهرج ومرج...ودماء تسيل هنا وهناك....ومحمد يجري يحمل هذا ويساعد ذاك...ويحاول إفاقة فتاة سقطت في أغماءة....وتشتت الناس...جرى كل إلى طريق مبتعدا عن مرمى النيران والقنابل...ووقف محمد مشدوها لا يدري ماذا يفعل...واستبد الغضب بداخله وتقدم وحيدا نحو الميدان...

وعند مقر وزارة الداخلية أبصر محمد كتيبة صغيرة من جنود الأمن المركزي يقفون في تأهب...وتقدم محمد نحوهم...كل ما كان يريده أن يكسر حاجز الخوف بداخله....وتقدم أكثر...ووقف على بعد خطوتين فقط من أقرب جندي...ومن وسط الجنود...خرج وجه يعرفه...يذكره جيدا...إنه ذلك الضابط الذي عذبه في الماضي القريب...وسرت قشعريرة في جسد محمد وتحسس ظهره بحركة لا إرادية...وفكر في التراجع...لكن الضابط تقدم منه وعلى شفتيه نفس الإبتسامة وهو يقول: مين!!! مش ممكن!! إنت لسه محرمتش؟ آآه انت كنت فاكر أن في ثورة وكده وإننا إنتهينا مش كده؟ ...ومحمد واقف يكاد يفقد وعيه...لم يكن يتخيل أن جلاده ما زال في موقعه بعد الثورة...لماذا قامت الثورة إذن...بلع ريقه في صعوبة ولم يجب ...دموعه تحجرت داخل مقلتيه تأبى السقوط....نظر الضابط في عينيه مباشرة ملوحا بالسوط وهو يسأله بصوت عال أمام الجنود:اسمك ايه يا بيضة؟؟...وسكت محمد...فهوي الظابط بالسوط على وجهه وصدره  جاذبا إياه من لحيته وهو يكرر صارخا:بقول اسمك ايه يا بيضة؟ صمت محمد في قهر ثم أجاب : اسمي ....مادلين يا باشا...وأنحدرت دمعته على خده في انكسار....ومن خلف الضابط أنطلقت رصاصة غامضة استقرت في رأس محمد سقط معها صريعا.....
ومن بعيد وقف صبيا يراقب ما يحدث وهو يصرخ :يسقط يسقط حكم العسكر...الثورة مستمرة....يا نجيب حقهم يا نموت زيهم...وعلى بعد أمتار...وقف ناشط حقوقي شاب متحدثا إلى قناة فضائية يقول: حقيقة الأمر أن الشاب الذي سقط صريعا الأن مجهول وليس محسوبا على أي من القوى الثورية حسب علمي.

**************************إنتهت****************************

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق