الأحد، 15 يناير، 2012

نسيمة


ترى في الكويت بلدها الثاني وأمتعت الحضور بموسيقى شمال إفريقيا
"نسيمة" أيقونة جزائرية زينت عقد القرين 18 في أمسية شرقية أمازيغية
·       أغانيها الصوفية خلبت لب الحضور وختام الأمسية أغنية أمازيغية
ياسر صديق
جلست أرقبها عن كثب وكانت في حوار مع قناة تلفزيونية...إبتسامتها لا تفارقها وكأنها عهد أقسمت عليه ووفت ...كنت أنا والحضور على موعد مع أمسيتها التي جاءت ضمن فعاليات مهرجان القرين في دورته الـ18 ، قطعت أميالا من أجل أن تطربنا فجلسنا متأهبين ننتظر منها أن تكشف النقاب عن اللون الجزائري الجبلي الذي يبدو ضبابيا أمام أعين البعض إلا من الجالية الجزائرية القليلة العدد التي حجزت مقاعد مسرح الدسمة الأمامية وكأنها ليلة عيد ، إنها المطربة الجزائرية نسيمة التي جاءت من غربتها في باريس إلى الكويت كي تشدو وفعلت...وأقسمت أن تطربنا...وبرت بقسمها.

قبل أن تشرع في الغناء إعتلي الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والأداب م.علي اليوحة المسرح وأهدى نسيمة درعا تكريميا تقديرا لجهودها التي تمتد لأكثر من عشرون عاما ، وبدورها حيت الحضور معربة عن سعادتها بتواجدها في الكويت التي وصفتها ببلدها الثاني.
بدأت نسيمة أمسيتها بعدة وصلات أندلسية وهو اللون الذي تميزت فيه على مدى مشوارها الفني وكان سببها في ذيوع شهرتها داخل وخارج الجزائر بل وعلى مستوى العالم فقدمت "أنا الحب" للأمير عبد القادر و"ساعة" لابن حزم الأندلسي" .
ورغم ظني الذي تبدد بعد هذه الأمسية وإعتقادي أن هناك كلمات لا تغنى ومصطلحات لا يمكن أن تقال في جو طربي ، كسرت نسيمة كل قيد برقة شديدة عندما غنت أغنية "ختن يا ختان" وهي من كلماتها وتلحينها ، الأغنية تتحدث عن ولد يختتن أو تجرى له عملية الختان ...كنت أظنها مسألة حساسة وشائكة من الصعب الإقتراب منها عبر قالب غنائي ، لكن الأغنية كانت أقرب إلى ترتيل الملائكة...غيرت نسيمة معتقداتي الغنائية وأجلستني مشدوها بما تشدو....جاءت كلمات الأغنية تقول:
ختّن يا ختّان طهرلى وليدي ** ولولوا يا نسوان هاذ اليوم عيدى
الحنة و تاتو فى حجر جداتو ** فرحوا يا خالاتو زيدوا عماتو
بعباية بيضا شاشيا و برنوس ** يكبر ان شالله و يدخل عروس
وليدي مع الصبيان يكتب بالقلم ** يكبر ان شالله و يخرج عالم
وليدي مطهر و الملايكه حاضريين ** مسك و عنبر و السيد جبريل

وفي جو صوفي آخاذ غنت نسيمة ترانيم تمتزج بالتبتل مثل أغنية "الحرم يا رسول الله" للشيخ محمد ابن مسايب و"ليلى" للشيخ أحمد العلاوي و"لقد زالت الحجب" ، ثم أوجعت قلوب الحضور عندما تغنت برائعتها "مجدت بلادي" وهي من تلحينها وكلماتها تشرح فيها معاناتها مع الغربة التي أمتدت لأكثر من عقدين من الزمن.
ولأن عبق الأمازيغ التاريخي كان يظلل على الأمسية أتحفتنا نسيمة في ختام الأمسية بأغنية أمازيغية للشيخ سليمان عازم ،ورغم غموض الكلمات والمعاني إلا أن الأغنية جاءت دافئة ومتدفقة للغاية لتختم نسيمة أمسيتها بتحية كما إبتدئتها وتتركنا نسبح في خيال الشمال الأفريقي الساحر.

يذكر أن المطربة الجزائرية نسيمة المقيمة في باريس منذ عام 1994 تعتبر حالة خاصة في المشهد الفني الجزائري، باعتبارها الوحيدة التي تحولت إلى سفيرة للأغنية الأندلسية في الخارج، وقد اشتهرت بشكل لافت انطلاقا من العاصمة الفرنسية كعدد كبير من الفنانين الجزائريين، وراحت تشق مرحلة جديدة في مسارها الفني، لم تفصلها عن جذورها الثقافية الأصلية.
ولم تكن هذه الشهرة التي نالتها بتشجيع من مسؤولي بلادها، كما قالت لرئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة بمناسبة عيد المرأة، بعد عودتها من نيويورك إثر إحيائها حفلة في مسرح كورنجيه هول الذي وقف على خشبته فرانك سيناترا وإيديت بياف، وتقديمها ألبومها الجديد "جذور وأغنيات".
وتنحدر نسيمة من مدينة البليدة الواقعة شمال غرب العاصمة الجزائرية، المعروفة فنيا باعتبارها إحدى قلاع الأغنية الأندلسية إلى جانب تلمسان وقسنطينة، ومسقط رأس موسيقيين وممثلين كبار من أمثال رابح درياسة والراحل محمد عزيز.

وكانت نسيمة -التي ترعرعت في أسرة غير فنية- الوحيدة في المعهد الموسيقي التي أبهرت عدة أساتذة في الفن الموسيقي الأندلسي، الأمر الذي جعلها تحظى برعاية استثنائية مكنتها من تكوين مبكر في سن السابعة، ودخول جمعية الودادية الأندلسية التي تأسست عام 1932.
وانطلقت نسيمة نحو الشهرة بعد تكوين موسيقي قوي على أيدي الشيوخ محمد بن قرقورة والحاج حميدو جعيدر والصادق البجاوي، وكانت البداية في نهاية السبعينيات بتسجيل "أنتولوجيا الموسيقى الأندلسية" للإذاعة والتلفزيون.
وكرست شعبيتها مجددا اعتبارا من عام 1987 تاريخ حصولها على أهم وسام فني من رئاسة الجمهورية، وشروعها في تسجيل جواهر التراث الموسيقي والشعري المغاربي للتلفزيون حتى غاية عام 1994.
وتعززت مكانة نسيمة كمطربة أندلسية شابة ومتميزة عام 1984 تحت إشراف الأستاذ برادعي، الذي سجلت معه لأوركسترا الجزائر السمفونية "نوبة زيدان" بشكل حديث وغير مسبوق، حاولت من خلاله تقريب الموسيقى الكلاسيكية العالمية إلى الموسيقى العربية الخلاقة.
وككل الفنانين والمثقفين والإعلاميين الجزائريين الذين تركوا الوطن مكرهين خلال ما اصطلح على تسميتها بـ"العشرية السوداء"، وأقاموا في باريس لأسباب شخصية، لم تستسلم للأمر الواقع وراحت تشق مرحلة جديدة لم تفصلها عن جذورها الثقافية الأصلية، ومكنتها في آن واحد من تطوير أدائها على النحو الذي ينسجم مع متطلبات جمهور أجنبي غنت أمامه في عدة عواصم أوروبية وعالمية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق