الأربعاء، 9 مايو، 2012


"الكاريير"...وصراع عقل وقلب
على تلك الطاولة الأنيقة داخل ذلك الرستوران الفخم المقام في الساحة الخارجية لواحد من أعرق فنادق القاهرة المطل على النيل مباشرة...أسندت المحامية الدولية سندس الببلاوي ظهرها في تراخي وقد غاصت في مقعدها وراحت تنفث دخان سيجارتها الرفيعة في تلذذ وهي تطالع وجه زوجها المهندس مراد عز الدين مدير إحدى شركات الكمبيوتر الذي إنكمش في مقعده منكفئا بيده على الطاولة وقد تجلي الإرهاق بهالاته السوداء حوله عينيه ورسم خطوطا وتجاعيدا أبرزت علامات من زحف الزمن القاسي على وجهه المجهد ...جالس صامتا بعين تطالعها في يأس ...وهي تطالعه بنظرات حادة ...مباشرة...ساخرة...ومشفقة ...ثم أعتدلت في جلستها ومالت برأسها نحوه سائلة إياه بإستنكار:لا أدري لم تضخم الأمر وتجعل منه أزمة ديبلوماسية....مراد بلهجة مقتضبة مجهدة كمن أعيته المجادلة : تقصدين أزمة زوجية....سندس بعصبية : عن أي زوجية تتحدث؟....أنتي تهذي!!! ماذا يضيرك انت أن تأتيني قضية دولية بهذا القدر من الحساسية ويتم إختياري أنا دون غيري من الزملاء كي أترافع فيها!! أما كان من الأولى بك أن تدعمني وتشجعني وتفرح من أجلي؟ تراجع مراد في مقعدا مسندا ظهره وبلهجة ساخرة: عن أي دعم تتحدثين!! وهل تحتاجين أنتي مني أنا الدعم...وهل يوجد أحد ممكن حولك لا يفعل ذلك؟ تنتظرين تشجيعي!!وهل يتوانى والدك العزيز عن الشد من أزرك والحط من قدري كي يزيدك تمردا على واستكبارا!!! تريدينني أن افرح من أجلك!!! ألا يكفيكي تلك الفرحة العارمة التي يشعرك بها رفيق مكتبك الودود اللطيف كلما إقتنصتي قضية كهذه ضاربا بكل مشاعري كزوج عرض الحائط؟...رجاءا لا تحدثيني عن الدعم والتشجيع لأنني قد مللت.
ظهر الغضب واضحا جليا على وجه سندس وراحت تنفث دخان سيجارتها في عصبية وتمطره بنظراتها الساخطة وبلهجة متحديه قالت:هؤلاء الذين حولي هم سندي وقتما تكون انت في عالمك الخاص...ووالدي الذي يشجعني يفعل ذلك تعويضا عن سخريتك تلك من عملي وطموحي...أما فرحة زميلي العزير فأنا لست مسؤولة عن أوهامك المرضية تلك ولا نواياك التي حطت من قدرك عندي....صمت ثقيل ساد المشهد...وراحت سندس تنقل عينيها وتطالع الطاولات حولها بنظرات سريعة لتبين إذا ما كانت جدالهما قد جذب أسماع من حولهما...أما مراد...فقد شرد ببصره بعيدا...قطع شروده عامل الرستوران الذي بادر بسؤاله التقليدي: أي نوع من الشراب تريدان يا سيدي لدينا ع.......قاطعته سندس بلهجة متعالية أمرة:أريد قهوة على الريحة وهو أي نوع من العصير...تراجع العامل في توتر وأومأ برأسه مطيعا..........
نظرت سندس في عين مراد مباشرة وقالت بلهجة هامسة كالفحيح:أخبرني دون تلكؤ...لماذا ترفض سفري وقد سافرت مرات عدة من قبل...طالعها بنظرة خاوية مجيبا:ها أنتي تقوليها...مرات عدة... هل سنقضي عمرنا كله انتي في بلد وانا في بلد؟ هل هذه هي الحياة الزوجية !!! الحياة الزوجية تعني أن نكون معا ....سويا...نعمل نعم ...نسافر في حالة الطواريء على الرحب....لكن أن يكون السفر هو الطبيعي والبعد هو المعتاد فهذا ما أرفضه...وصمت ليلتقط بعضا من أنفاسه المتهدجة المتلاحقة ....وهي...تطالعة في تحد صارخ ثم قالت بنفس الهمس المقيت:أجيبك أنا بعيدا عن ما قلت...أنك تفعل ما تفعل لمجرد أنني قد صنعت لنفسي طريقا وخطا بعيدا عنك..نجحت واستقللت ذاتيا وانا تحت عصمتك العظيمة كزوج...حققت "كاريير" صعب على كثير من الرجال أمثالك أن يحققوه...أنك تقول ما تقول متذرعا بخوفك على بيت الزوجية لأنني أعمل...وتشعر في قرارة نفسك أنني مستقلة ماديا ...أما لو كنت زوجة في البيت انتظر قدومك كل ليلة لتأتيني متعبا مجهدا عصبيا تأكل وتعطيني ظهرك لتنام متجاهلا كل ما أحب ...فهذا هو بيت الزوجية الذي تريده...وصرخت قائلة : أليس كذلك؟؟ نظرات منزعجة بدت في عيون المحيطين بهما فظهر الارتباك على قسمات وجهها....وظل هو يطالعها وعيناه تحملان من الألم الكثير ثم تنهد وقال بصوت هاديء واهن:من أي جحيم جئتي بأفكارك هذه!! وأي غل هذا الذي تحمليه بداخلك نحوي !! تعارفنا وكنا شبابا تسبقنا أحلامنا....أحببتك وتهيأ لي وقتها أنك تحبيني...تزوجنا...طلبتي أن تكملي دراستك وتحضري الماجستير فساعدتك وكنت بجانبك ولم أعترض...لم تحتاجيني يوما إلا وكنت بجوارك...لم تبكي يوما إلا ووافقت على كل ما تريدين حبا لك وحنانا وخوفا على قلبك...طلبتي تأجيل الإنجاب رغم معرفتك بأنني تواق للأطفال وطاوعتك فقط لأنك تريدين ذلك.....مال براسه نحوها قائلا وهي يضغط على اسنانه في كمد:ماذا جنيت لأستحق هذه المعاملة المجحفة؟....أشاحت بوجها عنه لتخفي ألمها وقالت في غضب:إنني لم أفعل شيئا كل ما في  الأمر أنني أحاول أن أحفر لي إسما في عالم القانون وهذا يستلزم مني الجهد الكثير...طالعها بنظرة يائسة مجهدة وقال بصوت متعب: لا...تعلمين كما أعلم أنك هذا قول بعيدا عن الحقيقة..الحقيقة هي تلك العقدة التي بداخلك منذ زمن....ارتعشت السيجارة في يدها وأطفئتها في عصبية وجحظت عيناها في ذعر كأنه يكاد يعريها من ثيابها أمام الناس وقالت في ذهول:ماذا تعني؟....زفر أنفاسه في ضيق وقال بصوت مشفق:تعلمين أنك تكرهين الضعف لأنه سحق في الماضي من كانت أضعف منك وأهون...أحبته وتركت الدنيا من أجله وجعلت من جنتها بيتا يستريح فيها وجنة يعود إليها بعد يوم عمل طويل...سخرت نفسها وقلبها وعقلها كي يعلو ويسمو ويتقدم وما إن صعد بقوة الصاروخ حتى أعرض ونئى بجانبه عنها وذهب باحثا عن غيرها وتركها كالذبيحة أو الفراشة المحترقة تلعق جراحها وتلملم قلبها المشطور..فكرهتي كل الرجال ووضعتيهم كلهم في خانة واحدة وترجمتي ذلك بأن الحب يولد الضعف عند المرأة والإستكبار والتمنع عند الرجل....أصابتك لعنة غيرك لأدفع أنا ثمن ما لم أفعل....تهدل كتفيها وسقطت كلتا يديها في وهن على الطاولة وهي تسأله بصوت دامع وعين زائغة: ماذا تقول!!! عن من تتحدث؟ صرخ فيها بقوة وألم:عن أمك....عن أبيك...عن ذلك الماضي الذي جعلتيه غولا أو حيوان رخ إلتهم ماضيك ويتهيأ مخلصا ملتهما مستقبلنا معا...صنعتي لنفسك "كاريير" لا بحثا عن النجاح بل بحثا عن ما يجعلك الأقوى والأكثر سطوة وهذا صرع بقاء لا حياة زوجية...أفيقي...سوف تدمرين كل ما قطعنا سنوات من أجله....وصمت...وصمتت...وجاء العمل ووضع القهوة والعصير وهو يطالعهما بعين مرتبكة وانصرف مسرعا....وانهارت في مقعدها بعيون مذهولة....وهو...أخذ يتنهد ويستنشق الهواء كأنه طرد من داخله ما ظل لسنوات يصارع لكتمانه ... لملمت أغراضها قائلة بلهجة حاولت أن تبدو صارمة: سأنصرف وأعلم أن تاريخ السفر قد تحدد ولا مجال للتراجع...ونهضت ...فامسك بيدها قائلا بصوت متوسلا محبا:لا تثقلي على نفسك وعلي...إنني أحبك رغم كل ما تفعلين...إذن دعينا نسافر سويا ...إعتبريها رحلة عمل وأنا سأعتبرها أجازة زوجية...قاطعته في حدة: لست طفلة لأحتاج لمرافق أو حماية ولا يعقل في كل سفرية أن أصطحبك معي....نظر إليها بعين ساخرة وقال في ألم: بل أنتي مريضة تحتاجين إلى من يرعاكي...ومسكينة تحتاجين إلى صكوك غفران....طالعته بنظرة مقيتة ....وأنصرفت...وما أن دخلت المصعد وأغلق أبوابه حتى زفرت في راحة وقالت في غيظ:تبا....كم أكره قدرته على قراءة ما بداخلي وفضح ما أظن أني أخفيه...اللعنة.....وهو...ظل جالسا في مقعده يائسا...حائرا...غاضبا...وأطرق برأسه مسندا على الطاولة ومرتكزا بيديه تحت رأسه ...و....رن جرس الهاتف...ألو...على الجانب الأخر:ألو سيدي ...المهندس ممدوح عز الدين أليس كذلك؟ ..ممدوح في ضجر:نعم من؟ ...أنا أحمد خان من شركة النور للأتصالات...ممدوح بصوت متسائل :وبعد؟ الموظف: هناك رقم ........... والذي انت صاحبه ....ممدوح:نعم أن الخط بإسمي تستعمله زوجتي ما الأمر؟؟ العامل: هذا الخط عليه فاتورة تبلغ خمسة ألاف جنيه فهل ستدفع سيدي أم نعلق الخط ونرفع قضية؟؟ عذرا سيدي ولكنها الإجراءات ....وأطلق ممدوح ضحكة مجلجلة مدوية جعلت كل المحيطين به يطالعونه بكثير من الدهشة....وجعلت العامل الذي يحدثه أكثر أندهاشا وهو يسأل قائلا: عفوا سيدي أأنت بخير...ممدوح وهو يضحك بصوت هيستيري: قل لهم أنني سأدفع...وأخبرهم أنني أدفع...أدفع الكثير منذ أن تزوجتها...وأغلق الهاتف...وظل يضحك وعينيه تحملان الكثير من الألم والحسرة...وعبر سماعات الرستوران انسابت أغنية تقول كلماتها:
وهتفضل علطول لعبتها
إكمنك دوبت وحبتها
إكمنك صدقت عنيها
وبئيت روحك بتجري عليها
قلبك بأة أنتيكة بيتها
بص لقلبك وأسألوا ليه؟
ايه جواها بيجري عليه
يبني دي قلبها عمروا ما حبك
ولا مليون سنة راح تعديلها
وبكي ممدوح..بكى بكاءا حارا موجعا متهدجا...وأخذ يكرر...قلبك بأة أنتيكة في بيتها...قلبك بأة أنتيكة في بيتها...ليأتي العامل مقدما له الفاتورة وهو يهمس: الحساب سيدي...رفع إليه عينيه الدامعتين وهمس بصوت مماثل: إنني أحاسب منذ زمن بعيد.......وواصلت دموعه إنهمارها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق