الخميس، 18 أغسطس، 2011

أنا وصديقي 5

وصلنا أنا وصديقي إلى هناك....وتسمرت قدماه وامتنع عن الدخول!!!!!!
أحب شهر رمضان...أعشق لياليه...أتونس بعبقه ورائحة أيامه...أذوب داخل جوه الإيماني وحالة الرضى التي تعم الدنيا خلال أيامه الوضاءة...حالة من السكينة تنتابني خلال الصلوات والذكر والتقرب إلى الله بالأذكار والنوافل...وفي العشر الأواخر من هذا الشهر الرباني تبدأ صلوات التهجد ويزداد المسلمون تقربا إلى الله وورعا...ويزدادون أيضا لهثا وراء الأسواق لشراء مستلزمات العيد وملابس الأطفال والكبار...ومنذ أن كنت طفلا وانا أكره حالة الطواريء التي تعلن داخل البيت بسبب ملابس العيد...حالة كانت دائما تخرجني من جو الطمأنينة الذي يغمرني طوال هذا الشهر...كانت أمي وانا صغير تتولى إفساد هذا الجو الروحاني بأن تأخذني أنا وإخوتي لشراء ملابس العيد...ومن المؤكد أن الأمر لم يكن ينتهي في يوم واحد...فاليوم إشترينا والملابس ضيقة...واليوم الثاني واسعة...والثالث هناك قميص فقدناه داخل المحل...وحالة من التخبط تخصصت فيها أمي وبرعت....وعندما كبرت وأصبحت شابا حمدت الله على أن عصمني من ذلك الالتزام القاتل فكنت أشتري ملابسي وقتما أشاء ولا أتذكر سنة إشتريت فيها ملابسي في زحمة أيام ما قبل العيد كي أستمتع بكل دقيقة في رمضان....وتزوجت...وتولت زوجتي مهمة إفساد الايام الأخيرة من رمضان عوضا عن أمي...فالبنت تحتاج ملابس العيد....وهي أيضا...وطالما ألححت عليها أن تشتري ملابس العيد في الايام الأولى من الشهر تجنبا للزحام لكنها كانت تتلكأ طوال الشهر حتى نعود إلى نفس النقطة...ونفس الزحام...والزحام هو الزحام في رمضان...في كل بلد من بلادنا العربية...
وككل عام طلبت زوجتي أن أصطحبها وطفلتي كي نشتري ملابس العيد...وتجنبا للأزمة التي تحدث كل عام في ذلك اليوم تحديدا عرضت عليها أن تأخذ النقود وتشتري لنفسها وللطفلة ما تشاء وأعطيتها الضوء الأخضر أن لها الحق أن تتأخر خارج المنزل اليوم نظرا للإزدحام الشديد...وفرحت زوجتي نظرا لحالة الغيظ والكمد التي تنتابني وانا معها في مشوار شراء ملابس العيد...فزوجتي العزيزة لديها قدرة فائقة على المرور على عشرين محل تتأمل وتفرز وتقيس لها وللصغيرة ثم تمط شفتيها في حالة من عدم الرضا وتنصرف دون أن تشتري شيئا....وانا لا أتحمل هذا...لهذا أرحت وأسترحت وأستطعت الفكاك من هذا المشوار الحارق لأعصابي.
غير أنني إكتشفت ولأول مرة أنني في حاجة ماسة إلى بعض الملابس...فكرت أن أذهب برفقة زوجتي والطفلة لكنني تراجعت متعقلا ومفكرا حتى لا أندم ...وبعد تفكير ليس بالكثير...إتصلت بصديقي وطلبت منه أن يصحبني لشراء الملابس بعد صلاة التراويح....ولم يمانع صديقي.
تقابلنا...وتصافحنا...سألني صديقي:من أين ستشتري؟ أجبته:أبحث عن مكان يخف فيه الزحام قليلا....ضحك صديقي قائلا:أنت تحلم!!! الزحام هي الحالة السائدة هذه الايام....أنطلقنا بالسيارة...إبتعدت عن وسط المدينة وأتجهت ناحية الشرق....خطر في بالي مركزا تجاريا وقررت الذهاب إليه ...كنت أقطع الطريق بالسيارة وأرى وجه صديقي يتبدل ويتغير ...لم أعر الأمر إهتماما في باديء الأمر...عند وصولنا إلى المكان المطلوب نزلت من السيارة وبقى صديقي ولم ينزل....نظرت إليه مندهشا وسألته:ألن تأتي!!؟؟؟ هز رأسه نفيا وقال:لا سأنتظرك هنا...تعجبت لأمره وسألته:لماذا...أجابني :بدون ألحاح لن أدخل إذهب أنت وتأخر كما تشاء وسأنتظرك هنا...سألته في غيظ:ولماذا جئت معي إلى وهنا وانت لا تريد الدخول؟؟ أجابني وهو ينظر في الجهة الأخرى:ظننتني أستطيع إقناع نفسي بالدخول.....تعجبت من إجابته وهززت رأسي يأسا وتركته في السيارة ودخلت إلى المجمع...إستغرقت حوالي الساعة والنصف...وعدت فوجدته جالسا متأملا صامتا ينظر إلى المركز التجاري من الخارج وإلى موقف سياراته كأنه يبحث عن شيء...أو عن أحد....
سألني:إشتريت....أجبته :نعم.....ركبنا السيارة...وعند أول إشارة مرور ضوئية سألته بشيء من الغيظ:لماذا رفضت الدخول معي...نظر إلى وصمت قليلا...ثم أجابني:في هذا المكان كنت أتي يوميا..بل كنا نأتي سويا...كل يوم تقريبا.....نظرت إليه مندهشا وقلت:هنا!!!هل كنتما تقطعان تلك المسافة يوميا وتأتيان هنا ؟؟هز رأسه موافقا وقال:نعم...كانت أياما كالحلم...هنا في هذا المجمع كانت ذكرياتنا...أو بعض منها...وفي طابقه الأول كنت معها دائما وهي تشتري ما يلزمها من أشياء....وهناك...في الطابق الثالث...كنا نتناول غدائنا يوميا تقريبا...هنا في الطابق الثالث...أكلنا الشاورما سويا ونحن نتكلم عن مستقبلنا ...وكنا نضحك....دائما نضحك...هنا أكلنا البيتزا...وفي نفس الطابق دخلنا دور السينما لأول مرة معا...وهنا أيضا دخلنا أخر فيلم سويا...هنا تواعدنا على الحب...وأختلفنا...هنا رأيت دموعها الرقيقة أول مرة...هنا حلمنا بزواجنا وبيتنا...هنا كل شيء...أو بعض الشيء...كنا معا دائما هنا ولا أتخيل نفسي في هذا المكان بدونها.
سألته في غيظ:نفترض أنها هي التي هنا ...هل كانت ستهجر كل الأماكن التي جئتما إليها سويا وترفض دخولها بدونك؟؟؟ أجابني بصوت هاديء:أحببتها بعمق...وأحبتني بصدق ....ولكن لكل منا طريقته في حب الأخر...لم نكن يوما متشابهين في الصفات أو في طريقة حبنا لبعضنا البعض لكننا أتفقنا في لغة القلوب...وحتى الأن لا أستطيع دخول مكان جمعنا سويا ...وهذه طريقتي في حبها...أما لو كانت هي التي هنا بدوني واستطاعت أن تتعايش بطريقة أفضل فهذه طريقتها في حبي ...كان دائما لكل منا طريقته في الحب وكان كل منا يحب طريقة الأخر.
سألت صديقي:كم من الزمن مر على فراقكما؟....خيم صمت عجيب علينا...حزن غريب ملك على صديقي ...أسند رأسه على مقعد السيارة وأجابني بحزن:أشهر...عدة أشهر...ثلاثة أشهر وعدة أيام.....سألته مندهشا:ثلاثة أشهر فقط!!! حديثك عنها جعلني أشعر أنكما أفترقتما منذ زمن بعيد...أجابني صديقي:أشعر حقا أنه زمن بعيد...بعيد جدا ...كنا معا كل يوم...كل دقيقة...والآن...تمضي شهور ولم تقع عيني عليها وأذني لم تسمع صوتها....قلت لصديقي ناصحا:ولكن الأيام تمضي وإذا كانت قد استقرت هي حيث هي ويئست من إستمرار علاقتكما فستمضي في حياتها ... فمتي تواصل انت حياتك وتنظر إلى الغد بعين أخرى؟؟؟ أجابني صديقي بثقة وحب:أنك لم تعرفها...هي ليست كغيرها من الفتيات...لقد أعطتني كل شيء...كل شيء...أعطتني وقتها...وثقتها...وحبها...وقلبها...قضينا معا شهورا كانت تفضلني على نفسها وتقطع من راحتها من أجلي...تحملتني وانا غاضبا...شجعتني وقت يأسي...واستني وقت حزني...كان حنانها يصبرني وضحكتها تعوضني عن كل ألم...كانت معي فلم أشعر معها بوحدة أو غربة...لم تكن علاقتنا ملائكية...كنا بشرا نضحك ونبكي... نتصالح ونتشاجر... نهمس ونصرخ ...نصارح ونعاتب ...لكن ما مميز علاقتنا...هو الإخلاص...كانت هنا معي من أجلي فقط...وكنت هنا من أجلها فقط...كنا نستيقظ صباحا فقط كي نكون معا.....هكذا كنا.
سألت صديقي وانا مشفقا عليه:ترى...هل تفكر فيك كما تفعل انت؟؟ إبتسم صديقي إبتسامة حزينة وأجابني:لكل منا طريقته وحبه للأخر...ولكني أقولها لك بثقة...هي أكثر إخلاصا مني...وأكثر حبا...وما فعلته معي طوال علاقتنا يفوق ما فعلته...كانت تفضلني على كل الناس...وحتى لو جاء يوما قررت فيه أن تنساني وتمضي في حياتها فهذا حقها ...أما أنا...فأحبها...وهذا حقي.
سألت صديقي متعجبا:آلا تعلم عنها شيئا...أليس بينكما أي إتصال!!! هل من المعقول أن علاقة كهذه تتوقف هكذا وينقطع الاتصال بين طرفيها بهذا السخف؟؟
حملت عينا صديقي ألما وتأثر صوته وقال:لا أحد يعلم ظروفها وماذا حدث معها لقد إبتعدت وهي وحيدة وسط ظروف لا يتحملها أحد وكان عليها مواجهة أهلها في وضع ليس في صالحها على الإطلاق...لا لوم عليها...لكني خائف عليها بشدة...ومشتاق لها...وأسأل نفسي كل يوم وكل ساعة...أين أنتي؟وماذا فعلت بك الأيام؟ وكيف تقضين يومك؟هل تذكريني حقا؟.....إنها حولي دائما لا تفارقني.....لا تفارقني.
قطعت انا وصديقي طريقنا بالسيارة وكل منا يفكر...كان عقله هناك...مع من يحب...وكان عقلي هناك أيضا يسأل في تعجب....أين هي؟.....وماذا فعلت بها الأيام؟؟؟

ومازال للحديث مع صديقي بقية،،،

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق