الأحد، 11 سبتمبر، 2011

أنا وصديقي 10

أردنا أنا نحتفل به...فأوجعناه...وأوجعنا!!!
لم يتعود صديقي أن يحتفل بعيد ميلاده يوما...ولا عجب إن قولت أنه لم يتذكر ذلك اليوم طوال حياته...والإعجب أنني العبد لله كنت دائما من يذكره أن اليوم هو يوم مولده...فيتفاجأ وينظر إلى ويبتسم إبتسامة لا تحمل أي معنى ويواصل ما كان يفعل وكأنه لم يسمع شيء يدعو للإنتباه...
نشأ صديقي في أسرة لا تعي إهتماما بيوم عيد الميلاد وإن كان صديقي يتذكر بشيء من الضبابية أن والده يرحمه الله كان في بعض الأحيان يحتفل بميلاد بعض إخوته وربما إحتفل بيوم ميلاده هو أيضا غير أن صديقي لا يتذكر هذا على وجه الدقة...ولم يكن صديقي يعرض عن الإحتفال بيوم ميلاده من باب التحريم أو التحليل...وإنما كان ببساطة لا يرى في يوم مولده شيء يستحق الإحتفال...ولأن صديقي يحمل من التناقضات أكثر مما يحمل قطار بضائع...فإنه ومنذ أن رزق بإبنته من زواجه الذي كان...لا يتخيل أو يتصور أن يمر يوما عيد ميلادها دون أن يكون معها يحمل إليها الهدية ويحتفل معها طيلة ذلك اليوم...هكذا هو صديقي...يحمل من كل صفة خيرها وبعض من شرها...هكذا عرفته...وهكذا أحببته.
تزامن أخر أيام شهر أغسطس الماضي مع يوم عيد ميلاد صديقي...وقطعا لم يتذكره كالعادة...إتفقت أنا وزوجتي أن نحتفل به على نطاق ضيق وندعوه إلى البيت...كان صديقي الأقرب في بلاد الغربة...ولا أنسى يوم أن سقطت بعد نوبة قلبية فسرها الأطباء أن صمام القلب يحتاج إلى تغيير وتركيب دعامة ونصحوني بإجراء العملية في لندن...تكفلت شركتي بالعملية نظير خدماتي الجليلة وموقعي الحساس بها...بل وتحملوا نفقات المرافق الذي سيلازمني طوال رحلتي العلاجية...ولم تكن في إستطاعة زوجتي أن تأتي معي فهي لا تستطيع أن تترك إبنتنا الصغيرة وحدها وهي في منتصف عامها الدراسي ...ووقعنا في حيرة...حالتي الصحية لا تسمح أن أذهب وحدي وزوجتي ليس بإمكانها مرافقتي...جلست أدرس الموقف ...رن الهاتف وكان صديقي...إستفسر عن صحتي فقصصت عليه ما جرى ويجري...أخبرني ببساطة...أرافقك أنا...قلت له مندهشا:وعملك؟ أجابنا ساخرا:إطمئن مشاريعي العديدة وشركاتي القابضة وأموالي المتدفقة من الممكن أن ننتظر...وسافر صديقي معي لمدة ثلاثة أسابيع كان فيها نعم الرفيق وخير جليس وأقرب ونيس...فزاد حبي وإمتناني له...وكانت زوجتي لا تقل عني أعتزازا بصديقي...فكثيرا ما تصادف وجوده عندنا فتعصف بيني وبينها مشاجرة ندخله فيها حكما رغما عنه...فكان ينحاز بشكل كامل لزوجتي ويدافع عن رأيها بقليل من الإقناع...وكثير من الضحك لتهدئة الموقف...فكانت تعتبره اخا لها وتأنس لوجوده.
تناقشنا أنا زوجتي حول ترتيبات عيد ميلاده وأتفقنا أن يكون في بيتنا....فاقترحت زوجتي أن يكون غداءا وعيد ميلاد...وجلسنا نفكر في نوعية الطعام الذي يحبه ...وحسمت زوجتي الأمر فهي تعلم أنه عاشق للمسقعة وورق العنب ويعتبرهما أكلتيه المفضلتين...رتبنا الأمر وأتصلنا به ...أفهمناه ألا يرتبط بأي ميعاد غدا بعد العصر...وافق صديقي....وفي اليوم الثاني...وبعد الموعد المحدد بقليل ...جاء....جلسنا نرحب به ببعض الكلمات المألوفة التي غالبا ما يسمعها في كل مرة يزورنا فيها....جلس يداعب إبنتنا قليلا ويهمس لها وتهمس له ضاحكة....أخبرته زوجتي أنه قد أعدت له غداءا...مسقعة وورق عنب...طالعها صديقي وإبتسم إبتسامة شاردة بعض الشيء كأنه تذكر شيئا وأجابها....سلمت يداكي...بسرعة الله يخليكي وإلا هدخل المطبخ وأكل من الحلة أسرع وأسهل...ضحكنا وتبادلنا القفشات حتى جاءت زوجتي بالطعام...جلسنا حول المائدة ....أكلنا وتبادلنا بعض الأحاديث حول الإجازات والعيد الذي مضى والعيد الذي كاد أن يقبل علينا....إنتهينا من الطعام....كانت صلاة المغرب قد حانت..صلينا أنا وصديقي...ثم جلسنا وذهبت زوجتي لترتب مراسم عيد الميلاد وتجهز التورتة...أطفئت زوجتي الأنوار....فقال صديقي مداعبا:معقولة هتناموا دلوأتي!!! ....كدت أن أعلق على ما قاله إلا أن أبنتي كانت أسرع مني فدخلت في الظلام حاملة "التورتة" وهي وزوجتي تغنيان أغنية عيد الميلاد المعتادة...وصديقي مبتسما إبتسامة تحمل مزيج من المفاجئة وبعض الحرج...غنينا لصديقي وقطعنا التورتة وضحكنا خاصة عندما سألته زوجتي...أحقا لم تكن تذكر أن اليوم عيد ميلادك؟؟؟ أجابها صديقي ضاحكا:أنا عدو الأرقام الأول وأي شيء يدخل فيه الأرقام مستحيل أن أتذكره....جلسنا نتناول القهوة...ونتبادل الحديث...وإذا بزوجتي فجأة تطلق قنبلة مدوية وتسأل صديقي.....ألن تتزوج؟؟؟؟؟....تفاجأ صديقي بسؤالها المباغت ....تلعثم قليلا...بدت على وجهه إبتسامة مرتبكة ...وفرت على صديقي عناء البحث عن إجابة تبدو لزوجتي منطقية وقولت:صديقي مرتبط ويعيش قصة حب عنيفة فلا تحاولي معه...نظرت زوجتي لكلينا ووجهها يحمل علامات الدهشة وقالت:قصة حب!!! مع من!!!قصة حب ولا أعرف عنها؟؟؟ أجبتها ضاحكا:إنها سر صديقي...أنا نفسي لم أرها يوما...سمعت عنها كثيرا منه لكني لا أعلم من هي.....ادارت زوجتي عينها إلى صديقي سائلة:ومتى الزواج؟ أطرق صديقي برأسه قليلا ثم نظر إلى زوجتي مبتسما إبتسامة شاحبة وأجابها:عندما تعود!!!....سألته زوجتي في حيرة:تعود!!!من أين؟....أجابها صديقي:من حيث هي!!! همت زوجتي أن تعاجله بسؤال أخر إلى أنني قاطعتها قائلا لصديقي بسخرية:ومتي تعود من حيث هي!!!بعد عام أم عامين أم عشرة أعوام؟؟؟ لم ترق لصديقي لهجتي الساخرة فرمقني بنظرة عاتبة وأشاح بوجهه عني متشاغلا بالنظر إلى هاتفه....سألتني زوجتي بفضول:عن من تتحدثان؟وأين تلك التي يحبها ومن أين تعود؟؟ قصصت على زوجتي ما كان من أمر صديقي وحبيبته بإختصار ...صمتت زوجتي بعض الوقت ثم سألت صديقي:هل تواعدتما على ميعاد محدد لعودتها؟ أجابها صديقي:لم تكن الظروف تسمح بقطع أي وعود أو تحديد مواعيد كنت انا طريح الفراش وكانت هي تعاني أمرا فوق طاقتها!!!
زوجتي:هل جرى بينكما إتصال منذ أن سافرت؟
صديقي بحزن:لا..لم يحدث!!!
زوجتي:وما تفسيرك لهذا الإنقطاع وهذه الغيبة؟
صديقي:كل الإحتمالات قائمة لكني ادعو الله أن تكون بخير
زوجتي:هل حاولت انت الإتصال بها؟
صديقي بأسف:لو كانت حيث أظن فأنا لا أعلم رقم هاتفها وبريدها الالكتروني هجرته لظروف أعلمها...وعدتني قبل سفرها أنها ستطمئني عليها لكنها لم تفعل.
زوجتي:إذا فقد وعدتك بأنها ستطمئنك...ولم تفعل...وتعرف رقم هاتفك...وانت لم تهجر بريدك الألكتروني مثلما فعلت هي...هي تعلم عنك كل شيء وانت لست كذلك...فلماذا لم تحاول أن تطمئنك عليها وتطمئن عليك طوال هذه المدة!!!هل ترى الأمر مستوعبا؟؟؟
صديقي مدافعا:عرفتها عن قرب...عشنا أياما وشهورا لا نفترق إلا عند النوم...فعلت من أجلي ما لم يفعله أي شخص أخر...والغايب حجتوا معاه...ولا أريد للشيطان أن يلعب براسي...ثقتي فيها لن تهتز يوما...لو كانت تستطيع أن تتصل لفعلت.
زوجتي في شك:هل من المعقول أن تمر شهور لم تجد  خلالها وقتا أو تستطع فيها إقتناص فرصة كي تطمئن عليك وتطمئنك عليها؟؟
صديقي بنبرة واثقة: حتى وإن فعلت...أنا على يقين أن لديها سبب قوي لذلك.
قاطعت تلك المباراة الكلامية وسألت صديقي: وأنت...هل ستضيع عمرك كله في إنتظار أن تتعطف يوما وتطمئنك عليها أو تعود من حيث هي؟؟؟أنسيت أن لديك عمرا ومن حقك أن تواصل حياتك وتعيش حياة طبيعية؟ هل ستقضي عمرك كله وحيدا من أجل من ذهبت ولا تعلم عنها شيئا؟؟....كانت لهجتي عصبيه حادة من فرط خوفي عليه وحبي له ...ظهر الألم في عين صديقي...وهب واقفا  ووجه يحمل علامات الضيق وقال لزوجتي في إبتسامة عصبية:سلمت يداكي ولا حرمني الله منكما على ذلك الإحتفال الأخوي...وأسرع ناحية الباب...انطلقت خلفه أنا زوجتي وقلت له إنتظر سأرافقك للبيت...هز رأسه بالموافقة واسرع ناحية المصعد ينتظرني....همست زوجتي في أذني  وقالت بنبرة نادمة:لقد أثقلنا عليه ...أجبتها بشيء من العصبية:لابد من ذلك يجب أن يفيق مما هو فيه إنه يطارد وهما وينتظر من لن يأتي...إستبدلت ملابسي على عجل ولحقت بصديقي ودخلنا المصعد وساد بيننا صمت خانق...لا أدري كيف أخفف عن ما بداخله...وهو أغلب الظن لم يكن لديه رغبة في أي كلام...خرجنا من المصعد...سالته:أين سيارتك...أخبرني تركتها عند البيت فالمسافة من بيتي لبيتك لا تحتاج إلى سيارة وانا أحب المشي كما تعلم...هززت رأسي موافقا وأقترحت عليه أن أتمشى معه حتى بيته وتمشينا.....قولت له:تعلم أني أحبك..فأنت أقرب أنسان لي هنا...لكني أشفق عليك مما أنت فيه...أنك تغامر حول حلم كاذب...أوافقك أنها تستحق كل هذا الحب...وفعلت من أجلك الكثير...كانت عونا لك...كانت تحبك بكل جوارحها....أوافقك على كل هذا ولكن....وماذا بعد؟ أين هي؟ متى تعود؟ ولماذا هذا الإختفاء الغامض؟ أراك لا تتحمل فكرة بعدها عنك فلماذا تحملت هي ورضيت أن تكون بعيدة عنك؟؟.......كان صديقي يستمع وهو مطأطا رأسه ينظر إلى موضع قدميه ولا يجيب...ثم نظر إلى عيني مباشرة وقال: كان ما بيننا أشد وأعمق مما قلت...أتعلم كم أشتاق إلى الأطفال...أجبته:أعلم مدى حبك للصغار....قال:لكني لا أتخيل أن يكون لي طفلا هي ليست أمه...لم يكون ما بينا حبا بل كان عشقا...عيشت معها حياة كاملة...كانت زوجتي ....أقولها لك بصدق...هي زوجتي...أراها كذلك طيلة الوقت....هي زوجتي التي دخلت دنياي فملأتها حبا ودفئا ثم أخذت شمسها وغابت وتركتني في ظلام طويل......سألته في صوت ساخط: غابت..أبتعدت...توارت...ألم تفكر يوما أن ذلك كان أختيارها الذي لم يفرض عليها كما تظن؟؟ألم تفكر يوما أن تكون قد عادت لحياتها السابقة بمحض إختيارها؟؟ألم تفكر يوما أنها قد تكون إرتبطت بشخص أخر لتكمل حياتها وأعتبرتك حبا "كان"؟ ألم تفكر يوما أنها قد تكون هنا ولم تسافر من الأصل وقصة سفرها برمتها ليست صحيحة؟؟ ....كانت أنفاسي تتلاحق من فرط عصبيتي وخوفي عليه....ظل صامتا يسمع ....كنت كلما فرضت إفتراضا مما قلت يظهر ألما شديدا في عينيه...كنا قد وصلنا إلى حيث يسكن...نظر في عيني وقال...أتظنها تفعل شيئا مما قلت؟؟ أجبته في ثقة:بل أنا على ثقة يا صديقي ...قال لي في ثقة:هذا لأنك لم تعرفها يوما...أتراني مخلصا لها؟ أجبته بصدق:بل أنت مجنون بها...قال:إعلم أنها أكثر إخلاصا مني...ليس إخلاص لي...بل إخلاصا لذاتها...لوعدها...كنا هنا معا فكانت تسبقني حبا وتخطفني كرما ....كنت أحسبني قد فهمتها لدرجة ترضيني فتفاجئني على الدوام أنها أكثر ودا ما ظننت وأكثر عشقا مما عرفت وأشد يقينا مما أدركت عنها...كانت تنظر إلى عيني فتعلم كيف أنا وبماذا أشعر...كنا نتخاصم وكانت خصومتي جافة غشيمة قاسية فترسل لي رسالة عبر الهاتف...رسالة تحمل مزيجا من الطيبة والحب وعزة النفس...رسالة لا تصالحني فيها بقدر ما كنت تهمس لي خلالها حبا كأنها تسألني"هل ما بيننا يحمل كل هذا الخصام" فأذوب خجلا منها وازداد تعلقا بها وأسرع كي أراها...كانت دائما الأكرم والأقدس والأطهر......
نزلت كلمات صديقي علي رأسي كالسياط....إن كلماتي تفقد تأثيرها وجدواها طالما أقتربت ممن يحب..تركني صديقا مودعا عائدا إلى بيته...تابعته بعيني بنظرات مشفقة...إن صديقي يقف في في منتصف كل شيء...هو الآن في منتصف عمره...عاش قصة حب وقفت في المنتصف بين الزواج وعدمه...تزوج في وقت مضى ...لم يدوم زواجه ولم يكتمل حبه...وبقى في المنتصف...عاش سنين طوال في الغربة...فظل جسده هنا وعقله وهناك...وقلبه مع من ذهبت وتورات برضاها أو رغما عنها...صديقي ممزق الأوصال...جسد هنا وعقل هناك وقلب لا أعلم أين هو.......حتى عندما دعوناه لنحتفل به...أردنا أن نحتفي به...فأوجعناه...وأوجعنا.
وما زال للحديث مع صديقي بقية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق