السبت، 19 نوفمبر، 2011

سبوت

فكرته تعد الأبسط والأروع حول الفتنة الطائفية
"وهلأ وين"...حكمة النساء منعت الفتنة أن تطل برأسها
ياسر صديق
شاهدت هذا الأسبوع فيلم " وهلأ وين" للمخرجة اللبنانية الطارحة للأفكار نادين لبكي ، الفيلم الذي نال عدة جوائز عالمية وعربية يجعلك تنحني إحتراما وإجلالا لعمق الطرح وبساطة التعامل مع قضية هي الأخطر ليس في لبنان وحدها بل في كل بلداننا العربية.
"وهلا وين" فيلم يحكي عن ضيعة صغيرة فوق تلة يسكنها خليط من العائلات المسيحية والمسلمة إبان الحرب اللبنانية في ثمانينيات القرن الماضي والأخبار كل يوم تتناقل عن سقوط قتلى بين المسلمين والمسيحيين إلا أن تلك الأخبار قد تصل أو لا تصل إلى الضيعة الصغيرة نتيجة سوء البث في تلك المنطقة النائية وهو ما جعلها في منآى عن حمى الصراعات الدينية .

في مشهد بسيط وتلقائي وعميق تصطف الأسر المسلمة والمسيحية جنبا إلى جنب لمشاهدة التلفزيون فتخرج قارئة النشرة لتعلن عن سقوط قتلي بين المسيحيين والمسلمين في وسط المدينة فما كان من نساء القرية إلا إفتعال مشاجرة مع أزواجهن كي تعلو أصواتهن فوق صوت التلفزيون فلا يسمعوا تلك الأخبار التي قد تشعل نار الفتنة داخل قريتهن وهن اللاتي يعيشن داخلها في محبة حتى أن "أمال" المسيحية صاحبة المقهى الصغير تقع في حب "ربيع" العامل المسلم.
ومشهد أخر شديد العذوبة عندما يقتحم قطيع من الماشية مسجد القرية فيخيل للمسلمين أنها عملية مقصودة من جانب المسيحيين وتقع مشاجرة بين الجانبين ويكسر "أبو أحمد" تمثال مريم العذراء فيتكاتف شيخ المسجد وقس الكنيسة من أجل التهدئة بين الجانبين في خطبة أقل ما توصف أنها رائعة.
"نسيم" صبي مسيحي يتعرض دائما لمشاحنات من أصدقائه المسلمين يخرج يوما في نزهة مع أخيه بالدراجة خارج القرية فيصيبه طلق ناري طائش من جهة غير معلومة فتصاب الأم بلوعة شديدة لفراقة وتقرر دفنه في البئر حتى لا يعلم أهل القرية بوفاته فتشتعل نار الفتنة بين مسلمي القرية ومسيحييها ، وتذهب تعاتب العذراء لأنها لم تحفظ إبنها في مشهد دراماتيكي مؤثر ، وعندما يعلم إبنها الأكبر بوفاة شقيقه ويفكر في الإنتقام تتصدى له وتطلق عليه رصاصة تصيبه في قدمه لتمنعه من المساس بأهل القرية المسلمين وهي لقطة تعد الأروع في سياق الفيلم.
تتفتق آذهان نساء القرية عن فكرة مذهلة فيعددن حفل عشاء لكل رجال القرية مسيحيين ومسلمين ويضعن داخل الفطائر والحلويات حبوب مخدرة ومهلوسة فيتناولها الرجال ويصابون بحالة من هيستريا الضحك المتواصل ليصبح أعداء الأمس أصدقاء اليوم.

يستيقظ رجال القرية في اليوم الثاني على مفاجأة مدوية فالرجل المسيحي يجد زوجته قائمة تصلي لله صلاة المسلمين والرجل المسلم يجد إمرآته وقد خلعت حجابها وأعلنت أنها مسيحية وعبثا يحاول الرجل التصدي لأفكار نسائهم حتى آن الأم المسلمة توقظ ولدها كي يصحبها إلى الكنيسة فيعتقد الولد أن أمه قد أصابها مس من الجنون.
يدرك الرجال أن نساء القرية كن أكثر تعقلا وحكمة وحبا لقريتهن منهم وفي مشهد ختامي يقرر أهل القرية دفن "نسيم" ويتوجهوا به إلى المقابر وعند الوصول إلى المدافن يتوقفوا فلا يعرفوا أن يدفنوه هل في مقابر المسحيين أم المسلمين!!! فيلتفت الرجال إلى النساء ويسألوا....وهلأ وين؟.
فيلم "وهلأ وين" صفعة على وجه كل المثيرين للفتن في كل زمان و مكان بل هو صفعة لكل من أبعد وأقصى المرأة عن ريادتها سينمائيا إلى أن أعادته نادين لبكي والتي ولا شك قد نجحت في ذلك عن جدارة .
نادين لبكي إختارت ممثلين لا يمثلون بل يتحركون أمام الكاميرا في تلقائية مدهشة حتى انك تتخيل أنه فيلم وثائقي مع أناس حقيقيون من أهل القرية .
"وهلأ وين" فيلم متواضع الإنتاج عظيم الفكرة مبهر في طرحه  حصل على جائزة الجمهور في مهرجان تورنتو في كندا ومهرجان ترابيكا في الدوحة ومرشح للأوسكار كأحسن فيلم أجنبي عن لبنات قامت بإخراجه والتمثيل وشاركت في كتابة السيناريو نادين لبكي وصاغ موسيقى الفيلم زوجها خالد مزنر والأزياء لشقيقتها كارولين لبكي وإنتاج آن دومينيك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق