الثلاثاء، 18 أكتوبر، 2011

أنا وصديقي 12

أنا وصديقي 12
سألت صديقي..أتركت بداخلك شيئا...قال نعم...يد مسكورة وعقل مشوش
إفتقدت صديقي كثيرا الفترة الماضية ، تقريبا لم أره من بداية الشهر الجاري ، إفتقدته زوجتي أيضا خاصة في أوقات شجارنا خاصة وأنها ملاكها الحارس الوحيد الذي يأخذ صفها ويدافع عنها ، وابنتي دائمة السؤال عنه ، فهو خبير في فن التصابي والنزول بعقله وجسده ناحية الأطفال فيكثر من ضحكه معهم ولهوه حولهم ، وكنت كلها سألته عن كيف يأتي بالصبر وطولة البال لملاعبة الأطفال وملاطفتهم يجيبني : لم أكن صبورا أو طويل البال يوما لكنني أحب الأطفال ورسولنا الكريم يقول "من كان له صبيا فليتصابى له" فكنت أصمت وقد إفحمتني إجابته ، إنشغل صديقي عني منذ بداية الشهر بعمل متواصل ، هو صحفي ، متخصص في الفنون هكذا يرى نفسه وهكذا أراه انا تتحمس زوجتي لما يكتبه وتهلل إبنتي فرحا عند قراءتها لحواراته الفنيه رغم أنني أكاد أجزم أنها لا تفهم شيئا مما يكتب لصغر سنها غير أنها شديدة التعصب له كتعصب الأهلاوي للفانلة الحمراء أو لأبو تريكة ، وبحكم عمله الذي أوضحته سلفا أنهمك صديقي في تغطية مهرجان مسرحي ، كلما إتصلت عليه إما لا يجيبني أو يجيبني وبجواره ضجيج وشديد فلا أسمع أو يسمع مني شيئا أو أهاتفه فيجيبني بصوت منخفص أنه يتابع إحدى المسرحيات وسيهاتفني فور أن تنتهي وعند إنتهاء المسرحية يعود صديقي للبيت منهكا غالبا فيكتب مقاله عن ما شاهد وينساني من فرط تعبه...وينام...هذا هو تخميني ، قالت لي زوجتي : إتصل به وادعوه على العشاء الليلة ، أجبتها: بل تدعوه الصغيرة فهو لا يستطيع أن يرد لها طلبا...جعلت فتاتي تتصل به قالت له :إشتقت إليك يا عماه...سمعته يجيبها : سأتيك على الفور حبيبتي...أنهمكت زوجتي طيلة اليوم في إعداد العشاء وبعض الشطائر إحتفاءا بالضيف الأخ...وجلسنا ننتظره.
كعادته...جاء في ميعاده ...لما يتأخر...عودني صديقي وتعودت عليه أنه شديد الإنضباط في مواعيده ، دخل صافحني وحمل الصغيرة وقبلها من جبينها وقبلته هي أيضا صافح زوجتي بحرارة وهي كذلك...جلسنا نتحدث ونسأله عن أحوال المسرح هنا أجابنا بعين المتخصص وهو كذلك حقا وإبنتي تستمع لما يقوله بدهشة رغم أنها لا تفهم شيئا كما قلت سابقا ، سألته زوجتي: هل تابعت ما حدث في مصر في الفترة الأخيرة؟ صديقي : كل الدنيا تابعت ، زوجتي : وما تعليقك؟ صديقي: مصر تمر بمرحلة مخاض صعبة ورغم الوجع داخل كل مصري لما جرى من فتن ووقيعة بين المسلمين والأقباط إلا أنني علت يقين تام من أن مصر ستعبر فوق كل هذا...زوجتي مندهشة : ومن أين أتيت بهذه الثقة ؟ صديقي مبتسما بهدوء: من التاريخ ...إقرأي التاريخ لتعلمي ماذا سيحدث مستقبلا...المعدة المصرية قادرة على هرس ومضغ كل الصعاب..قد تنكسر لحظة أو لحظات أو سنة أوسنين لكنها بعون الله وفضله تعود أفضل مما كانت وانا أثق بعدل الله...قطعت إبنتي الحوار بأن قفزت فوق ساق صديقي تلاعبه ويلاعبها وقامت زوجتي تعد طعام العشاء ...جلسنا تعشينا ...كان يحب طعام زوجتي وكانت هي تسعد بذلك نظرا فقد كان يعوضها عن كمية السخرية والتهكم التي تنالها مني بسبب طعامها الذي أحبه لكنني كنت أظهر لها عكس ذلك دائما من باب المزاح الذي كانت تكرهه دائما.
إنتهينا من العشاء...جلسنا في الشرفة مستغلين تحسن الجو الملحوظ هذه الأيام...دار حديث طويل حول مصر وأخبارها وتصريحات السياسيين المبكية حينا والمضحكة غالبا ....ملت على صديقي أسئله ...كيف حال المحبوبة؟؟ نظر صديقي إلى بنظرة خاوية وقال:أي محبوبة؟ نظرت إليه متعجبا وقلت:صدييقييييي مساء الخير...فتاتك الغامضة...محبوبتك الغالية...تلك التي ذهبت في غموض ولم تأتي....نظر إلي صديقي نظرة هادئة وأجابني: تزداد غموضا يوما بعد يوم ...إلتقطت زوجتي طرف الخيط وسألته في لهفة:هل علمت عنها شيئا ...إلتقط صديقي السؤال وقال مجيبا وعينه في عيني أنا : إنها هنا يا عزيز...معنا هنا وليست هناك...تراجعت زوجتي بكرسيها مندهشة وأرتعش فنجان قهوتي في يدي من فرط المفاجأة...كنت أسأله عن حالها وانا على يقين أنه سيجيبني كما تعودت بأنه لا يعلم عنها شيئا وأنها ما زالت كذا وكذا ويبث لنا أوجاعه ....وفقط....لكنه زلزلنا...سألته غير مصدق: هنا أين؟ أجابني بنفس الصوت الهاديء:هنا في تلك البلدة...ليست حيث كنت أظنها ...سألته زوجتي في دهشة مماثلة لدهشتي:وكيف عرفت؟ صديقي بصوت عميق: تحدثنا بطريقة ما وأخبرتني أنها هنا ...قلت لصديقي غير مصدق : هنا...هنا ولم ترها بعد؟؟ هز صديقي رأسه نفيا في هدوء صامت ثم قال: لا...لم أرها حتى الأن!!! نظرت إليه زوجتي بنطرة عتاب وقالت: وكيف هانت عليك أن تكون هنا ولا تذهب لرؤيتها ؟ نظر إليها صديقي وإبتسم في سخرية قائلا: لا عليكي فقد كنت أذهب حيث وانا لا أعلم أنها هنا ما بالك وانا أعلم أتتوقعين مني آلا أذهب؟؟ زوجتي في حيرة: فلماذا لما ترها إذا؟؟ تنهد صديقي تنهيدة تختلف عن تنهيداته السابقة...وقال: إنني حتى لما أسمع صوتها حتى الآن...تبادلنا الرسائل وعرفت من خلالها أنها هنا ، وفور علمي بذلك طلبت منها الزواج الفوري وأن نتجمع تحت سقف واحد وكفانا فراق...بدت مرتبكة خائفة من الماضي السخيف...حاولت تبديد خوفها ...وظننت أنني قد نجحت في ذلك...طلبت رؤيتها فاجابتني أنها مسافرة مضطرة في رحلة إلى دبي وستعود بعد أسبوع على أكثر وبعد من الممكن أن تقابلني...قاطعت صديقي مستنكرا: ماذا تقول!!!!! تفترقان كل هذا وتقول فيها ما قلت وتحكي عنها ما جعلنا نراها القديسة جان دارك وعندما تتجمعان في بلد واحد تطلب رؤيتها فتؤجل لحين عودتها من سفر آخر!!!!!!!! نظر إلي صديقي نظرة خاوية لا تحمل أي معنى وأجابني: هذا ما كان ...طمأنتني برسالة أخبرتني فيها أنها فكرت وتوصلت إلى أن زواجنا هو أبسط حقوقنا ولا يمنعنا شيء عن ذلك ورددت عليها أنني في إنتظار عودتها للبدء في ترتيبات الزواج على الفور ..... و....فقط...... زوجتي في دهشة: فقط ماذا؟؟؟؟ صديقي بنفس الصوت الهاديء: فقط...إختفت مرة ثانية كعادتها ...قالت لي أسبوعا وأعود ومرت أسابيع ...كتبت إليها سائلا مستفسرا مرة ومرتين وثلاث ولم ترد ....سألت صديقي:هل من الممكن أن تكون ما زالت حيث سافرت ؟؟ صديقي بنبرة ساخطة غاضبة: حتى لو كان هذا صحيحا لماذا لا تراسلني؟ لماذا لم تحاول حتى الإتصال بي؟ لماذا لم ترد على أي مما كتبت لها؟؟؟؟ وعموما يا صديقي...هي هنا وليست هناك ...نظرت إلي زوجتي في دهشة وبادلتها نفس النظرة...ماذا يحدث...إننا لا نفهم شيئا ...هل كان صديقي يحكي لنا عن أكذوبة من خياله؟ هل كان يبالغ في كلامه عنها!!! هل كانت تحبه كما أحبها هو!!! وكيف لها أتفعل ما تفعل لو كانت أحبته حقا!!! دارت كل هذه الأسئلة في رأسي ونظرت إلى صديقي فوجدته ينظر إلي مبتسما وكأنه قد قرأ أفكار وأجابني: لا تحير نفسك يا صديقي فالشخص الوحيد الذي في إستطاعته الإجابة عن كل هذا ..هي وحدها...وهي لا تريد أن توضح أو تفسر...وهذا شأنها ...إنها إختيارات وهي إختارت بإرادتها .....سألته زوجتي مشفقة: هل حاولت الإتصال بها بعد أن علمت أنها قد عادت؟ نظر إليها صديقي غاضبا وقال: أتصل بها!!! ماذا تقولين!!! الحب لا يحتاج إلى طرف واحد يبحث ويسأل ويتصل ويحاول لم الشمل والطرف الأخر يهرب ويتمنع ويخاف ويتعلل دائما..الحب علاقة بين طرفين....لقد عرضت عليها الزواج وأنتظرت عودتها وبعثت لها بأكثر من رسالة لم تجيبني على أي منهم...وسافرت وعادت ولم تهتم بأي رد...فأبحث عنها أنا....صمت صديقي قليلا ثم قال بسخرية مريرة:أتعلمين...تخاصمنا مرة منذ شهور لأنني عدت إلى البيت مرة ولم أراسلها وأقول لها أنني في البيت...فسرت هذا على أنه عدم إحترام لها وقلة تقدير مني...ولم أغضب حينها بل إلتمست لها العذر ولم أتركها حتى صالحتها...والآن...تسافر هي وتغيب ولا ترد على أي شيء يطمئنني عليها وحتى عندما عادت لما تسأل أو تهتم...كيف تفسرين هذا؟؟؟ أجابته زوجتي في سخط: أفسره بأنها ملتوية التفكير ولا تبادلك حبا بحب إنها فتاة غير واضحة ولا تدري ماذا تريد وكان من الأشجع منها إن كانت لا تريدك أن تخبرك بهذا مباشرة ....لماذا هذا الإلتواء؟؟ صمت صديقي وهز رأسه إيجابا لما تقول ولم يعلق....تنازعت بداخلي مشاعر الغضب وقلت له:صديقي إسمعني جيدا...إن المرأة لا تفعل كما فعلت تلك اللي أحببت سوا لثلاثة أسباب...إما أنها قد توقفت عن حبك وهذا وارد ولكن الغير مقبول آلا تخبرك بذلك...وإما أن يكون في حياتها شخص أخر وهذا أيضا حقا ولكن المخجل آلا تخبرك بذلك...أو تكون عادت إلى حياتها السابقة وهذا شأنها ولكن يبقى نفس السؤال الخانق...لماذا لم تخبرك؟؟ هل ظنت منك وقد عرفتك لسنوات أنك ستطاردها حبا حتى لو علمت أنها أختارت حياة أخرى بعيدا عنك؟؟؟...نظر إلى صديقي نظرة طويلة وقال: لقد عرفنا بعض لسنوات وكنا أوضح لبعضنا من قلوبنا...هل تغير بضع شهور ما تحقق في سنوات؟؟؟ أجبت صديقي: مع المرأة يتغير الجال في بضع ساعات يا صديقي وليس بضع شهور....نظرت إلي زوجتي نظرة غاضبة وقالت: ليس كل النساء تلك الفتاة المرتبكة الغامضة ....هززت لها رأي ضاحكا وموافقا وقلت: وهل في النساء مثلك يا حبيبتي...إبتسم صديقي لحديثنا ثم قال في شرود:أتعلم ما أوجعني حقا؟ سألته : ماذا ...قال بنفس اللهجة الشاردة: منذ بضعة أيام توقفت أمام سيارتها...وإقتربت منها...وقفت أتأمل تلك السيارة التي طالما جمعتنا سويا...كنت قد أهديتها قلادة وعلقتها في سيارتها على سبيل الهدية وقتما إشترتها حديثا...لم تكن تلك القلادة موجودة...وتساءلت...هل تخلصت من أي شيء قد يذكرها لما كان بيننا؟؟ هل فعلت؟ ولماذا؟ ...قالت زوجتي في غضب: إنساها والنساء غيرها كثير ولو أردت أزوجك من الغد....عقبت على قول زوجتي قائلا: يا صديقي أن من تفعله لك الفتاة لا يقول أنها تحبك...أنظر لنفسك...ظللت تتحدث عنها لأشهر وتبحث عن أي شيء يوصلك إليها ...كنت تجعل قلوبنا تنفطر كلما حكيت عما كان بينكم...وأنظر إليها هي...مختبئة...تهرب منك...تكون هنا معك ولا تفكر أو تشعر بالشوق لرؤياك..هل قارنت بين حبك لها وحبها لك يوما ؟؟ هذا إن كانت تحبك!!!!!! أجابني صديقي بنبرة شاردة: لكنها فعلت من اجلي الكثير....أجبته في ثقة: قد تكون فعلت هذا في وقت مضى ولكن الآن وبعد أن مرت الشهور إنقلب الحال وتبدل القلب بغير القلب وتحول الحب إلى مجرد ذكرى وتعودت على آلا تراك ويخيل لي أنها تريد أن تكمل حياتها بدونك وكل تصرفاتها تقول ذلك...أدار صديقي ظهره لي ونظر إلى الخارج وقال غاضبا: ليتني لم أعرف أنها هنا...ليتنا لم نتحدث من جديد...تمنيت أن أحتفظ لها بالصورة التي كنت أرسمها لها...تمنيت لو ظللت أحكي عنها بعين المحب العاشق لأنسانة لم أقابل مثلها قط...لقد شوهت بتجاهلها لوحة رسمتها بقلبي ...ما الذي تغير؟؟ هل فعل بها الخوف كل هذا؟ هل الماضي بسخافته قد جعلها تفعل ما تفعل...أم أنها لم تعد قادرة على مواصلة ما كنا بدأناه؟؟ أجبته في غضب وعصبية رغما عني: أي ماضي الذي تتحدث عنه ؟ هذا الماضي إن كان يخيفها فهي التي سمحت له أن يفعل...وهذا الذي بدأتموه سويا كان على الأرجح من صنع خيالك لأنه من الواضح أنها لا تتذكره...هز صديقي رأسه موافقا ومتألما...وأستأذن في الإنصراف...قالت زوجتي..إبقى معنا قليلا...أجابها:بل أنا متعب وأريد الراحة ...من العمل...ومن كل شيء....إتجه صديقي إلى الباب فسألته مشفقا: هل تركت ذكريات يا صديقي بداخلك؟؟ إلتفت إلي صديقي وقال بصوت خافت حانق غاضب: نعم تركت لي يد مكسورة وعقل مشوش ......وصفق الباب منصرفا.......
لم أقابل تلك الفتاة يوما ولم أعرفها...سمعت عنها حتى تخيلتها أمامي كثيرا...لكنها قد فعلت ما لم أستطع فعله طيلة خمس شهور...حاولت خلالها أن أجعله ينساها وفشلت بإمتياز...كنت كلما حاولت أجدها يعشقها أكثر من ذي قبل...لكنها نجحت في ذلك...تجاهلته ...بادلته حبا بصمت وعشقا بإختباء ....فكان لها ما أرادت...لم أعرفها حقا ولكن الذي أعرفه جيدا وموقن منه تماما...أنها أيا كان إسمها قد خسرت رجلا...وقلبا...أحبها حبا كنت أظنه ذاب في زحام عصرنا هذا.
وما زال للحديث مع صديقي بقية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق